تَطَوَّرَ العقلُ البشريُّ كثيرًا في غضون الأجيال، وبَلَغَتْ ضروب المعارف من كثرة النُّمُوِّ
ما لو بُعِث معه يونانيٌّ أو رومانيٌّ لَشَقَّ عليه أن يَهْضِم الاكتشافات التي تراكمت مع
القرون.
ولكن الذكاءَ إذا تقدم فإن المشاعر التي هي أساس طبيعتنا لم تتغير إلا قليلًا جدٍّا،
فالحبُّ والحقد والحرص والحسد ... إلخ، أمورٌ ظَلَّت كما كانت عليه في فَجْر الإنسانية،
وهي، وإن أمكن ضبطُها أكثر من قبل على ما يحتمل، باقيةٌ على الدوام.
والمشاعرُ إذ تَغَيَّرَت قليلًا مع القرون كان من الطبيعيِّ بقاءُ النفسيةِ الدينية الصادرةِ
عن العناصر الجَمْعِيَّة والدينية كما هي عليه، فلنا أن نُبْصِر، إذَنْ، مشابهاتٍ وثيقةً بين
جميع الأديان.
وليس هنالك ما تَتَجَلَّى به معرفةُ المؤرخين؛ فالمؤرخون يُبْدُون أديانًا متباينة تَسُود
الأمم فلا يَرَوْن رابطةً بينها، مع أن الواقع هو أنك إذا ما طرحت أسماءَ الآلهة وتفسيراتِ
علماء اللاهوت جانبًا وَجَدْتَ مُشَابَهَاتٍ وثيقةً تحت تلك الاختلافات الظاهرة، فالناس -
وإن آمنوا بآلهة متعددة - عَزَوْا إلى هذه الآلهة قَوًى واحدة، وطلبوا منها أمورًا واحدة،
وعبدوها على صورة واحدة.
وعلى ما تشاهده من مُلاءَمة مظاهر المعتقدات الدينية لمزاجٍ نفسيٍّ ثابت، سارت
هذه المظاهر وَفْقَ ما تقتضيه الحاجاتُ وشروط الحياة، فمن الواضح - مثلًا - أن
الآلهة لم تكن غيرَ مَحَلِّيَّة حين اقتصار الوطن على المدينة، ومما لا يَقِلُّ عن ذلك وضوحًا
أن الإنسان إذا ما عَرَف اتِّبَاعَ الحوادث لسُنَنٍ، لا لِأهْوَاء الآلهة، بَدَا له بُطْلان طائفةٍ من
الآلهة لم تَلْبَث أن تتوارى.
أَدَّت مظاهر النفسية الدينية إلى قول المؤرخين بِعدَّة تقسيمات، فذهبوا إلى وجود
الوثنية والروحية والتوحيد والإشراك ... إلخ، فهذه التقسيماتُ إذا ما وُضِعَت على مِحَكِّ
التحليل النفسيِّ تَقَلَّصَت إلى أبعد حدٍّ، فانْظُر إلى مذاهب التوحيد، مثلًا، تَجِدْها في الكتب،
لا في حَقْل العمل، وانْظُر إلى الوثنية، التي تُعَدُّ بين الأديان الابتدائية، تَجِدْ ثباتَها لدى
الأمم المتمدنة كما نرى ذلك بعد قليل.
وكذلك تَبْدو وَحْدَة مظاهر النفسية الدينية بوضوح في أديان الأمم القديمة، كالإغريق
والمصريين والهندوس على الخصوص، أي لدى تلك الأمم التي كانت صِلَاتُ بعضِها ببعض
قليلةً فلم يكن لبعضها كبيرُ تأثيرٍ في بعضٍ لهذا السبب، فعلى العموم تَجِد عند هذه الأمم
تأليهَ جميع قُوَى الطبيعة، وعبادةَ النبات والحيوان، والوثنيةَ، والإشراكَ، وقدرةَ الصِّيَغ
السحرية، وعبادةَ الأجداد ... إلخ.
ونحن، لكي نجمع تحت نَظْرَة واحدة ضروبَ اليقين الدينيِّ، يجب أن نُحَرِّرها
من الأوهام التي تكتنفها وتَسْتُر طبيعتَها الحقيقية، فهنالك، فقط، نَعْرِف ملاءَمتها
لاحتياجات النفس البشرية الثابتة المتماثلة لدى جميع الأمم، فالأديانُ تَعْرِض في كل
مكان، إذَنْ، مُشَابَهَاتٍ عجيبةً مع ما عليه من الاختلاف.
ولو نَظَر المؤرخون إلى العناصر الجَمْعِيَّة والدينية التي هي مصدر النفسية الدينية
لاكتشفوا تلك المُشَابَهات منذ زمن طويل، ولا قيمة للآلهة والشعائر ذاتِها، وإنما القيمةُ
كلُّ القيمةِ في معرفة الِمزاج النفسيِّ الذي أبدعها.