وهنالك وجهُ شَبَه بين الشعائر والرموز في جميع الأديان مع ذلك، وتنشأ هذه
المشابهة، لا ريب، عن اضطرار الروح البشرية إلى إدماج تصوراتها في الدوائر النفسية
القليلة التي أَطْلَق عليها فلاسفةُ الماضي اسمَ مَقُولَاتِ الإدراك، فقوالبُ الفكر هذه إذ كانت
تُقَيِّد التعبير عن الأمور فإنها تُحَدِّد ما تنطوي عليه التصورات الدينية، والشعائرُ التي
تُمْسِكها، من الممكنات.
وظاهرةٌ كتلك مما استوقف نظري في الغالب، فلما دَخَلْت، اتِّفَاقًا، في معبد جَيْنِيٍّ
قديم قائم في بلاد الهند، وذلك وقت القيام بشعائرَ دينيةٍ، ظَنَنْتُني حاضرًا لِقُدَّاسٍ
كاثوليكيٍّ في بدء الأمر، وما كان يقام في المعابد المصرية من الشعائر منذ ثلاثة آلاف
سنة أو أربعة آلاف سنة يشابه الشعائرَ التي تقام في كنائسنا العصرية بما يُثِير العَجَب،
فالحقُّ أن لغة الروح الدينية لم تتبدل قطُّ.
وما كانت الدِّيانات وحدَها هي التي تحتاج إلى شعائر ورموزٍ، فشأن الشعائر
والرموز عظيمٌ، أيضًا، في النُّظُم الاجتماعية لِما تَمُنُّ به عليها من الثبات والنفوذ، فما
الأعياد القومية والاجتماعات التذكارية العظيمة والراياتُ والتماثيل والاحتفالاتُ الرسمية
وحُلَلُ القُضَاة وجهازُ العدل مع موازينه الرمزية إلَّا دعائمُ وثيقةٌ للتقاليد والمشاعر
المشتركة التي فيها سرُّ قوة الأمم.
وما عرضناه آنفًا يُثْبِت أمرَ العناصر النفسية التي تُشَادُ بها المبادئ الدينية فنُبْصِر
بها السبب في تشابهها العميق مع اختلاف ظواهرها.