فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 132

بما أن الضروراتِ الاجتماعيةَ مصدرُ الأخلاق وَجَب تَرَقُّب اختلاف الأخلاق باختلاف تلك

الضرورات، أي بحسب الأمم والأجيال وبحسب مختلف الطبقات التي تتألف الأمم منها

أيضًا.

ورأيٌ كهذا ليس رأيَ مُعْظم الفلاسفة، ولا سيما كَنْتَ الذي عَدَّ الأخلاق سُنَّةً طبيعية

لا تبديلَ لها.

قال كَنْتُ:

إن السُّنَّةَ الخُلقية أمر شامل، أي إنها صالحة لكلِّ ذي عقل فضلًا عن الإنسان.

ومع ذلك، وخلافًا لذلك الرأي، كان بعض المفكرين قد رَأَوْا تحول الأخلاق في غُضُون

الأزمنة والعروق، ولكن من غير أن يدركوا السبب.

وليس بمجهولٍ قولُ پَسْكالَ الرائعُ الآتي حول تحول مبادئ الفضيلة والرذيلة

بحسب الأماكن والعروق:

لا تكاد تَجِد أمرًا عادلًا أو جائرًا لا يتغير في جوهره بتغير البِيئَة، فَتَقْلِبُ ثلاثُ

درجاتٍ في ارتفاع القطب جميعَ الفِقْهِ رأسًا على عَقِب، ومن شأن خَطٍّ لنصف

النهار أن يُقَرِّر الحقيقة، ومن شأن قليلِ سنواتٍ أن تُبَدِّل القوانين الأساسية،

فللحقوق أدوارُها.

وتُبْصِر بين أعمال الفضيلة مكانًا للسلب، وسِفَاح ذوي القُرْبَى، وقتلِ

الأبناء والآباء.

وليس تَغَيُّر الأخلاق، الذي استوقف نظرَ ذلك المفكر الشهير، تابعًا لهَوَى الناس كما

لاح أنه يَعْتَقِد ذلك، فذلك التَّغَيُّر ينشأ عن ضروراتٍ صادرة عن تَغَيُّر الحياة الاجتماعية،

فمن الطبيعيِّ أن تكون الجريمة عند أناسٍ فضيلةً عند الآخرين إذَنْ.

وكان الشعب الصائد الدائمُ الحركة يُضْطَرُّ إلى قتل الطاعنين في السنِّ من أبنائه

أو تركِهم وحدَهم عندما يَعْجِزُون عن اتِّباع انتقالاته، ثم صارت هذه الضرورة قانونًا

خُلُقِيٍّا بحكم الطبيعة، وكان ذبح الفتاة البريئة لنيل ريحٍ ملائمة من الآلهة، كما حَدَث

لإيفِيجِيني بنتِ أغا ممنون، كثيرَ الملاءمة للأخلاق لاقتضاء المصلحة العامة إياه، وكان

تَعَدُّد الأزواج من الذكور، الذي يُعَدُّ جنايةً يعاقَب مقترفها بصرامةٍ عند مُعْظم الأمم

المتمدنة، نظامًا اجتماعيٍّا ضروريٍّا لدى بعض أمم آسية التي يَقِلُّ عدد النساء فيها، وتَجِد

في ديوان الهند الأكبر المعروف بالمهابهارتا أن أبناء الملِك پاندو الخمسةَ تَزَوَّجُوا دروپَدِي

الحسناء.

والأمثلةُ على تَغَيُّر الأخلاق لا تُحْصَى، ومنها، أيضًا، عادةُ الزواج بالأخت التي كانت

شائعةً لدى كثير من الأمم في القرون القديمة، وعادةُ قدماء البابليين في فَضِّ أجنبيٍّ

لبَكَارَة الفَتَياتِ في معابد ?ينُوس قبل الزواج بهنَّ.

والأخلاقُ إذ كانت مرتبطةً في الحال الاجتماعية كان لكلِّ أمة أخلاقٌ مناسبة لتطورها

بغيضةٌ لدى الأمم التي جاوزت تلك المرحلة من التطور، ومن ذلك أخلاقُ الأناميين الذين

يَرَوْن مجازاةَ جميع أقرباء القاتل، ومجازاةَ سكان قريته عند عدم وجود أقرباءَ له،

ومصدرُ هذا المبدأ، كما ذكرتُ في كتاب آخر، عدمُ تَخَلُّص الروح الفردية من روح

المجموع وحيازةُ مختلفِ أفراد القبيلة لشعور اجتماعيٍّ واحد، فما كان لِيُوجَدَ عندهم

سوى حقوق جَمْعِيَّة لا فردية.

ولا تُشْتَقُّ الأخلاق من مقتضيات الحياة لدى الأمم فقط، بل تُشْتَقُّ من سَجِيَّتها

أيضًا، فلا يمكن الأممَ، والحالةُ هذه، أن تَسِير على نَمَط واحد في مختلف الأحوال، فالروسيُّ

والإسبانيُّ والإنكليزيُّ - وإن كانوا ذوي دِيانة واحدةٍ وقواعدَ خُلقيةٍ متماثلةٍ تقريبًا -

يَسِيرُ كلُّ واحد منهم على خلاف الآخر في الأحوال الواحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت