فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 132

الفصل الثاني

الفلسفات الوجدانية

لم يكن العقلُ قاعدةَ الفلسفة في كلِّ وقت، فقد استندت الفلسفة، كعلم اللاهوت، إلى

عناصرَ عاطفيةٍ ودينية زمنًا طويلًا؛ ولذلك لم تأت الوِجْدَانِيَّةُ الحديثةُ العالَمَ بشيء جديد.

وكان الخلاف بين الوِجدان والعقل قد شَغَل بالَ المفكرين في زمن سقراط، فقد أَثبت

هذا الأخيرُ شأنَ ما سُمِّيَ بعد طويلِ زمنٍ باللاشعور، وذلك بوَصْفِه المُتَفَنِّنِين والشعراء

بالحماسة «المشابهة بعْض الشَّبَه لحماسة العَرَّافِين الذين يجعلون الأشياءَ تقول ما لا

يفقهون»، لا بالحِكْمَة.

وتلك النظرية، التي عَرَضها أفلاطون في ثَنَائه على سقراط، قريبةٌ من المذهب

الوِجداني الحديث، وتلك النظريةُ قد اتخذها كثيرٌ من المفكرين في القرون الوسطى

كالرياضيِّ كَرْدان والطبيبِ پَراسِلْز، وهؤلاء، كبعض الفلاسفة الحاليين، يَعُدُّون الوِجدان

أرفعَ من العقل.

والواقع أن للعاطفة والعقل، المُعَبِّرَيْن عن احتياجاتٍ للنفس مختلفةٍ، أنصارًا على

الدوام، فالعاطفةُ هي المُفَضَّلة على العقل لدى الشعراء والمُتَفَنِّنين، والعقلُ هو المُفَضَّل

على العاطفة لدى العلماء، ويعيش الشعراء والمتفننون في دائرة المعتقد على الخصوص،

ويعيش العلماء في دائرة المعرفة على الخصوص.

وتَقَدَّمت العلوم فأصبحت الفلسفة عقليةً صِرْفَة، تقريبًا، منذ زمن دِيكارْت كما

ذكرتُ ذلك آنفًا، والعقلُ إذ أقام التجرِبة والملاحظة بالتدريج مقام القول المَرْوِيِّ، والعقلُ

إذ رَفَض كلَّ علمٍ لِلَّاهوت والمعتقد، وَسَّعَ آفاق المعرفة، ودائرةُ المشاعر إذ عُدَّت من الطِّراز

الأدنى تُرِكَت للأدباء والشعراء فَبَدَا الخِلاف بين عالَم المعتقد وعالَم المعرفة تامٍّا.

ووَجَب الركوع أمام النتائج التي أسفر عنها العلم، غير أن كِبار الفلاسفة العقليين

لم يكونوا شعبيين مع عظيم الاحترام لهم، فلم يَشْعُر الأدباء والمتفننون بأنهم يَقْدِرون

على استلهامهم.

وعلى ما في المذهب العقليِّ من نقصٍ دام هذا المذهبُ حتى اليومِ الذي أبُْصِرَ فيه

إمكانُ مقاومته، ومن المحتمل أن كان أهمَّ مناهضةٍ له ما قام به جان جاك رُوسُّو من

حيث لا يَدْرِي، فمع أن روسُّو زَعَمَ استنادَ فلسفته إلى عناصرَ عقلية لم يَدْعمْها في

الحقيقة، بغير دعائمَ عاطفيةٍ ودينية.

وفي ذلك الخَلْط سِرُّ نجاح رُوسُّو، وهذا الكاتب الشهير لم يَنَلْ حُظْوَةً بمناقشاته

الفلسفية الضعيفة، بل بحماسِيَّاته العاطفية، وبمواعظه في العَوْد إلى الطبيعة، وبخيالاته

الإنسانية، وهذا الكاتب الشهيرُ هو أبو الحماسِيَّات الرِّوائية والوِجدانيَّات الحالية، فكان

لفلسفته، أو لرواياته، تأثيرٌ عظيم في عالَم السياسة، فهذه الرِّوايات إذا لم تُغَيِّر طِرازَ

شعورِ كثيرٍ من الناس، كما قيل، فإنها أعربت عن مشاعر عصره بتحريكها.

ولا أحدَ كروسُّو أَعَدَّ الحالةَ النفسية التي نشأت عنها الثورة الفرنسية، وهذه الثورة

لم تَجْر ضارِيَةً إلا بعد وُلُوجها دائرةَ الحماسة العاطفية.

ولم يَسْطِع رجالُ السياسة، الذين احتفلوا حديثًا بذكرى هذا الفيلسوف، أن يُثْبِتوا

إمكانَ معرفة بعض الشيء في كتبه التي يُخْفِي أسلوبُها الرائع كُدْسًا هائلًا من الأوهام

والمبتذلات والأغاليط، وتكفي آثارُه أن تُسَوِّغ ما يُبْديه العقليون، في بعض الأحيان، من

الحَذَر ضدَّ الوِجدان العاطفيِّ.

ولولا جعلُ الأحوال التي ظهر بينها رُوسُّو إياه شعبيٍّا لخامرني شكٌّ في ذهاب أحدٍ

إلى عَدِّه من الفلاسفة، ولكن الرجل أو المذهب إذا ما لاءَم احتياجاتِ الزمن العاطفيةَ

وَجَدَ من فَوْره أناسًا من ذوي البراعة من يَنْسِجون له فلسفة.

ومن ذلك، مثلًا أن مسيو بُوتْرُو ذهب إلى أنه يمكن «أن يستخلص من آثار رُوسُّو،

بلا تَكَلُّفٍ، فلسفةً حقيقية ذاتَ رَصَانةٍ ومطابقة حقيقيتين إلى الغاية.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت