فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 132

تَرَى من الملاحظات السابقة أن الشعب أقبل على النصرانية بحماسةٍ، وأن المُثَقَّفِين نَظَرُوا

إليها بعين الإغضاء والتسامح، وأن القياصرة انتحلوها في نهاية الأمر لِغَرَض سياسيٍّ

مَحْض.

ولم يُبْصِر أحدٌ، آنئذٍ، ما لذلك الانتحال من النتائج البعيدة، فكان يَلُوح أن القول

بإلهٍ يزيد على الآلهة القديمة الكثيرة التي رُضِيَ بها في غُضُون القرون ليس من شأنه أن

يُغَيِّر شيئًا في الحياة الاجتماعية وفي الحضارة.

وعكسُ ذلك ما وَقَع بسرعة، فإله النصارى، إذ صار عاطلًا من مُنَافِس سوى

الشياطين ذوي القدرة المشكوك فيها، لم يَلْبَث أن قِيلَ بسيطرته على مختلف شئون

الكَوْن كما يسيطر على الحياة الدينية، ولم يُعَتِّم عَمَلُه أن امتدَّ إلى عناصر الجهاز

الاجتماعيِّ فاستلهمته الفنون والآداب والفلسفة فَتَوارت الحضارةُ الوثنية تمامًا، فلم

تسْطِع الروح البشرية أن تتحرك، عِدَّةَ قرونٍ، إلَّا داخلَ النِّطاق الضَّيِّق الذي حَدَّده علم

اللاهوت النصرانيُّ.

أَجَلْ، إن النصرانية لم تكن لتمارسَ مثل ذلك النفوذ أيام كان لدى الرومان جهازٌ

اجتماعيٌّ متين يَتَعَذَّر تحويله، ولكن النصرانية، حين تَمَّ لها النصر، كان العالَم الهَرِمُ

يتداعى يومًا بعد يوم فيَدْنُو من أَجَله المحتوم، وقد أبصر غُزَاة البرابرة في ذلك العالَم

الرومانيِّ حضارةً تفوق مزاجَهم النفسيِّ بمراحلَ فلم يَقْدِروا على هضمها فَوجَدوا في

النصرانية من عناصر الثبات ما لم يكن لديهم.

كان انتحال أولئك البرابرة للنصرانية ذا خيرٍ عَمِيم لهم، فكان له من الشأن في

تطورهم ما لا يَتَّفق لأية حضارةٍ رفيعة، فما كان لغير الوعيد بجهنمَ والوعدِ بالسماء ما

تُزْجَر به بعضَ الزجرِ تلك الأخلاطُ التي تسيطر اندفاعاتُها الغريزية عليها، وما تتحول

به إلى مجتمعات ثابتة.

ومن نتائج امتزاج النظام الدينيِّ بالنظام السياسيِّ أن زادت قوة الدين وقوة الدولة

معًا، فقد اتفقت السلطتان الزمنيةُ والروحية عِدَّةَ قرون مع اصطراعهما أحيانًا، ثم عَدَّ

القياصرةُ والملوك أنفسَهم وكلاءَ لله في نهاية الأمر.

دام سلطان النصرانية أَلْفَ سنةٍ فاستطاعت أن تُمَدِّنَ البرابرةَ في أثنائها قليلًا،

فأصبح هؤلاء البرابرة قادرين على فَهْم العالَم القديم المَنْسِيِّ منذ زمن طويل، فأطُْلق على

ظهور ذلك العالَم ثانيةً اسمُ دَوْر النهضة.

بَدَا ذلك البَعْثُ باهرًا، فقد أعرض الناس، أمام النفائس التي ظهرت لهم، عن

المسائل اللاهوتية وعن الوعيد بنار جهنم فأعُْجِبُوا بالآلهة والإلهات التي أخُْرِجَت من

مَرْقدها وسَحَرَتْهم أساطيرُها العجيبة.

فهنالك صارت القرونُ الخالية أعظمَ مُلْهِم، فخَضَع لحكمها المُتَفَنِّنُون والأدباء

والفلاسفة، ومما يستوقف نظر من يزور رومة أن يُبْصِرَ أن البابوات، الذين هم أشدُّ

المدافعين عن عِلْمِ اللاهوت النصرانيِّ، كانوا يطلبون من رجال الفنِّ أن يُصَوِّرُوا أساطير

الوثنية، وبجانب إلهامات العالَم القديم تلك كانت تبدو على جانبٍ كبيرٍ من الشُّحُوب

وجوهُ القِدِّيسين والشهداء والمسيح وأهلِ جهنمَ الضيقة، ومن هذه الحياة العابسة المحزنة

التي فَرَضَها علم اللاهوت النصرانيُّ تَحَرَّرَ الإنسان في نهاية الأمر، فزُيِّنَتْ جُدُر قصور

رومة وال?اتيكان بوِلادة ?ينُوس وبقصَّة پسِيشِه الحسناء وغَرَامِيَّات جُوپِيتِر، وعادت

الآلهة التي أَغْوَت البشريةَ في فَجْرِها تَسْحَرُها في عمرها الناضج، وعَلَّمَت البشرية أن

تعيش مع الطبيعة، لا خلافًا للطبيعة، وإذا كانت هذه الصَّوْلَة لم تستمرَّ فلِوَضْع الإصلاح

الدينيِّ حدٍّا لها على وجه غير مباشر، ولولا نفوذُ هذا الإصلاح لرَجَع العالَم إلى الوثنية

على ما يحتمل.

ولم يتساوق عصر النهضة وبعثُ العالَم القديم فقط، بل تساوق، أيضًا، هو

وازدهارُ العلوم التَّجْرِبِيَّة التي وجب أن تُغَيِّر اتجاه الفكر، فقد رأى الإنسان أنه أصبح

من الضروريِّ أن يستبدل بضروب اليقين التي سيرته مدةَ خمسةَ عشر َقرنًا أمورًا أخُرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت