فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 132

يُضاف تأليهُ العظماء ومختلفِ المجامع عند بعض الأمم إلى عبادة الآلهة التي تكلمنا

عنها آنفًا، فالرومانُ كانوا يُؤَلِّهون مُدُنَهم وأبطالَهم وقياصرتهم، حتى المجرداتِ البسيطةَ

فكنت تُبْصِر عندهم معابدَ للفضيلة والوِفاق والعدل ... إلخ.

ويبدو ذلك الأمرُ غريبًا في الوقت الحاضر، وتَجِد، مع ذلك، وَجْهَ شَبَهٍ بينه وبين

الرمزية العصرية.

وترى مبانِيَنَا ونقودَنا وأوراقَنا الرسمية وزخارفَ معاهدنا العلمية مملوءةً

بالمُجَسَّدات الرمزية، وما انْفَكَّت القوانينُ والعدالة والحرية تُعْرَض على شكل أشخاص،

وما كان الرجل القديم حين يُشَخِّص الوِفاق على شكل إلهة، ببعيدٍ كثيرًا من الرجل

العصريِّ الذي يُشَخِّص الجمهورية بامرأة ذاتِ عَمْرَة 2 حمراءَ أو الذي يُشَخِّص مدينةَ

سترَاسْبُرغ بتمثال ذي تيجان حينًا من الزمن.

ولم يكن تأليهُ القياصرة أمرًا خاصٍّا بالعالَم القديم، فلم يُدْخَل سان لويس وحدَه إلى

الزُّون 3 النصرانيِّ، بل كان، أيضًا، أفرادُ الشعب وعلية القوم، كبُوسُويِه، يَعُدُّون القدرةَ

الإلهية متقمصةً في جميع ملوكنا في العهد السابق، وما كان مطبوعًا على النقود ومنقوشًا

على المباني الرسمية يُذَكِّر الناس، على الدوام، بأن سلطان أولئك الملوك من لله، ومن

الطبيعي أن ينشأ شعورٌ قريب من العبادة تجاه أناس ذوي صلة وثيقة بالربوبية، أفلم

يكن بعض هؤلاء ذوي قُوًى مَعْزُوَّةٍ إلى الألوهية نفسها كتلك القوة التي يُشْفَى بها بعض

الأمراض باللَّمْس؟

والواقعُ أن الشعب في كلِّ جيل يُؤَلِّه الأبطال، فكان جنود ناپليون يَعُدُّون إمبراطورهم

هذا إلهًا لا يُغْلب، وأعلن أسُقُف كنيسة نُوتِرْدَام حلولَ القدرة الربانية فيه. 4

وما ذكرناه من مقابلة بين الفكر القديم والفكر الحديث يُثْبِت، بأوجهٍ مختلفة،

درجةَ تماثل النفسية الدينية في كلِّ زمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت