نُبْصِر بتقسيمنا لوُجُوه المنطق أن مبادئَ أعاظم الفلاسفة حَوْلَ الحقيقة ذاتُ مصدريْن
مختلفيْن: أحدهما: عقليٌّ، والآخر: عاطفيٌّ ودينيٌّ.
وكان الحكم للنظريات العقلية منذ عصر النهضة حتى القرن التاسِعَ عشرَ، وكانت
المناهج المُجَرَّدة من المصدر العقليِّ قد هُجرَت تمامًا، ثم عادت إلى الظهور ثانيةً في أيامنا
مُسَمَّاةً بأسماء مختلفة، ولا سيما باسم المذهب الوِجْدانيِّ.
وليس تقسيمُ الفلسفة إلى عقلية ولا عقلية أمرًا مطلقًا مع ذلك، فيشتمل أشدُّ
الفلسفاتِ عقليةً على كثير من العناصر الدينية، فتَجِد فلسفةَ كَنْتَ مُشْبَعَةً منها، وفي
الغالب ترى أنصارَ المذهب الوِجْدانيِّ يأتون بأدقِّ البراهين العقلية.
ولنَطْرَح التفريقَ بين مختلف مصادر الفلسفات التي صِيغَتْ منذ عصر النهضة،
ولْنَبْحَث باختصار في مبادئ أهمِّ ممثليها.
أَجَلْ، يمكن عَدُّ بِيكَنَ ودِيكَارْت وكَنْتَ من أكثر الفلاسفة العقليين تأثيرًا في أفكار
الناس، غير أنهم أثَّروا بمناهجهم أكثر من تأثيرهم بالحقائق المرسومة.
حَمَل بِيكَن على مبدأ اتخاذ القدماء حُجَّةً، ومن ثَمَّ على جميع فلسفة القرون الوسطى
التي كانت تقتصر على تكرار نظريات أرسطو، فبَيَّن أن التَّرَصُّد أنفعُ من تفسير الكتب،
ونَشَر الحَذَر من الآراء المُسَلَّم بها قبلًا كالتي يُعْزَى بها إلى الطبيعة بعضُ المقاصد بأن
يقال، مثلًا، إن الشمس إذا كانت تُنِير فلِأنَّها خُلِقَتْ لتَهَب لنا النور، ومما أوصى به،
أيضًا، أَلَّا يُنْتَقل من الخاصِّ إلى العامِّ، وأما ما بعد الطبيعة، التي يَرَى هذا الفيلسوفُ
الكبير أنها تَدُور حَوْلَ دائرةٍ بعينها على الدوام، فإنه يُقْصِيها إلى حَقْل الإيمان الذي لم
تَخْرُج منه قَطُّ.
ولم يَلْبَث نفور بِيكَنَ من ما بعد الطبيعة أن عَمَّ إنكلترة فدام إلى أيامنا، فكان هُوبس
يقول: مُكَرِّرًا رأيًا قديمًا ذكرناه آنفًا، إننا نَعْرِف الأشياءَ بإحساساتنا وحدَها، فيرى أن
الذي لا يكون محسوسًا كالروح أو الإله أو ما إليه لا يمكن أن يكون موجودًا، بل يُعْتَقد
وجودُه فقط، وأن الروح البشرية هي مجموعةُ إحساساتٍ فنُفَكِّر بضَمِّ إحساساتٍ إلى
أخرى، أي بأوهامٍ مُودَعة فينا من العالَم الخارجيِّ بواسطة حواسِّنا، وأن الكَوْن الحقيقيَّ
يظلُّ مجهولًا لدينا إلى الأبد، وأن الأفكار هي نتيجةُ إحساس، أي مُقْتَطَعةٌ من إحساس،
وأن المنفعة هي أساس الأخلاق.
وتدلُّ تلك الملاحظات المختصرة إلى أن خطوط الفلسفة الحديثة كانت تُرْسَم بوضوح،
وكان ديكارْتُ أشهرَ ممثليها في القرن السابعَ عشرَ، وكان له الأثَرُ البالغ بمِنْهاجه أكثرَ
مما بفلسفته، وكان من شأن مذهبه العقليِّ، الذي يجب أن نعتقد به ما هو بَيِّنٌ فقط، أن
يَحْفِزه إلى رَفْض ما هو دينيٌّ وما هو أعُجُوبِيٌّ، أي إلى ردِّ ما حاول تسويغَه بالعكس،
ولكن هذا الفيلسوف العَلَّامة لم يَأْلُ جُهْدًا في الدفاع عن الاعتقاد بالخالق وحِلْمِه، وما
أقامه من البراهين حول وجود لله فقد قام على المبدأ القائل بموجودٍ كامل لا حَدَّ له، وعلى
ضرورة وجود سببٍ للأسباب مما يَبْدُو ضَعْفُه في الوقت الحاضر.
وما في فلسفة دِيكارت من الناحية الدينية يُسَوِّغ ما قلناه آنفًا عن المناهج التي قيل
إنها عقليةٌ صِرْفَةٌ مع أنها تشتمل على عناصرَ دينيةٍ كثيرة.
وليست النواحي الدينية في فلسفة دِيكَارْت هي التي لا تُقْبَل وحدَها في الوقت
الحاضر، بل إن مما لا يُدَافَع عنه، أيضًا، قولَ هذا الفيلسوف بآلِيَّة الحيوانات وآراءَه في
الحرية وتقسيمَه للعواطف وخلطَه الفِكْرَ بالإرادة ... إلخ.
ولا يناضَلُ بأكثرَ من ذلك عن نظريته في البَدَاهة كمقياسٍ، فوضوحُ الفكر ليس
ضمانًا لحقيقة هذا الفكر.
وفي زمن دِيكَارْتَ، حين كانت التقاليدُ مسيطرةً، بَدَتْ آراءٌ كثيرةٌ له جريئةً جدٍّا، فقد
كانت تُؤَدِّي، بالحقيقة، إلى رفض مبدأ السلطة المهيمن إذ ذاك، وهكذا غدا ديكَارْت أبًا
لمذهب الشكِّ الحديث وللمذهب العقليِّ الحديث.