فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 132

لَخَّصْتُ في المطلب السابق تقديرَ عددٍ كبير من العلماء والفلاسفة المعاصرين للفلسفة،

وهذا التقدير إذ قام على المنطق العقلي فإنه لا يكون تقديرًا إذا ما خَرَج عن تلك الدائرة.

وأولُ ما يجب أن يُنْظَر إليه هو أن الفلسفة كانت تلائم، فيما مضى، احتياجًا إلى

الإيضاح فيما عَجَز العلم عن قضائه، فظَلَّت الفلسفة لهذا السبب دينَ ذوي النفوس

المُثَقَّفة.

والفلاسفةُ وحدَهم، حتى الزمنِ الحديث، ظَلُّوا حَمَلَة بعض الآراء مع عدم قيام

العلم بذلك، وكانت هذه الآراء قليلةَ الوضوح أحيانًا، فكان في غموضها سِرُّ نجاحها في

الغالب، ومن القول الصائب أن المبدأ إذا ما غدا واضحًا عاد لا يكون خصيبًا.

ومَثَّلَ الفلاسفة في تاريخ الفكر البشريِّ شأنًا أَسْمَى من شأن المُتَفَنِّنين والأدباء

والشعراء في بعض الأحيان، فهيمن أرسطو على التعليم في القرون الوسطى وهيمن

دِيكارْتُ على القرن السابعَ عشرَ، وبلغ كَنْتُ من التأثير ما قيل معه بحقٍّ»: إن نصف

الفلسفة الأوروبية صَدَرَت عنه في القرن التاسعَ عشرَ مع الارتباط الوثيق فيه «.

وكان لخلفائه فِيخْتِه وشُوپِنْهاوِر وَنِيتْشِه وغيرِهم بالغُ الأثَر أيضًا، وبعضُ النظريات

العلمية وحدَها، كنظرية التحول التي أسفرت عن إمكان نقض مبدأ خلق العالم وإقصاءِ

مبدأ النهاية، هي التي كان لها مَدًى أبعدُ من ذلك.

ونحن، لكي نُقَدِّر شأنَ الفلسفة تقديرًا صحيحًا، نرى ألَّا يُبْحَث عنها في الزمن

الحاضر فقط، بل في الماضي القريب أيضًا، فهنالك نَجِد أن تأثيرَها تَسَرَّب في جميع

الحقول.

فالفلسفةُ قد غَذَّت الدِّياناتِ، حتى السياسة، بمبادئَ شِبْهِ عقليةٍ، ذاتِ قليلِ خيالٍ

في الغالب لا رَيْب، ولكن مع إفادتها.

وأضحت الفلسفةُ، في أيامنا أيضًا، دارَ صِناعةٍ يَقْتَبِس منها مُحْتَرِفو السياسة الذين

غَدَوْا علماءَ لاهوتِ الأزمنة الحديثة، فترى بعضَ مباحث كارْل مارْكِس في الصَّعْلَكَة وترى

الاشتراكيةَ مُشْبَعَتَيْن من مبادئ هِيغِل الفلسفية، وظَلَّت الجَذْرِيَّة (الرَّاديكالِيَّةُ) تستلهم

مبادئَ أوُغُوسْت كُونْتَ طويلَ زمنٍ، وتُبْصِر النِّقابِيَّة الثَّوْرِيَّة تستوحي الفلسفةَ الوِجدانية،

وتُبْصِر الكاثوليكية العصريةَ تستوحي فلسفةَ الذرائع.

وإذا عَدَوْت ذلك التأثيرَ الذي لا جِدال فيه والذي يُشْتَقُّ، في الغالب، من الأوهام التي

تَعْدِل أوهامَ علماء اللاهوت أمكنكَ أن تقول: إن الفلسفة أَلْقَت أنوارًا حقيقية على كثير من

الموضوعات، والفلسفةُ هي أول من أثبت أن معرفة العالم الخارجيِّ تقوم على تفسيراتِ

الحواسِّ، وأن الحقيقة أمرٌ يَتَعَذَّر الوصول إليه، وهكذا بَدَتْ للأنظار نِسْبِيَّةُ التصورات

البشرية، قال نِيتْشِه: «إن الفلاسفة هم الذين اخترعوا العِلَلَ والتعاقبَ والنهائيةَ والنِّسْبِيَّة

والجَبرية والعَدَد والقانون والحرية والكيفية والغاية.»

ودَوْرُ الاكتشافات الفلسفية ذلك هو عُنْوانُ طَوْر آفل، وفي الدَّوْر الجديد الذي دخلت

الفلسفة فيه عادت الفلسفة لا تأتي بوسائلَ للتفسير بل تأتي بوسائلَ للتعميم.

وشأنُ الفلسفة إذا ما زال كعاملِ اكتشافٍ تَرَك، على الأقل، طِرازًا للتفكير يُعَبَّر

عنه بالروح الفلسفية، ويقوم هذا الطِّراز على استخراج العامِّ من الخاصِّ، وعلى الإتيان

بمُرَكَّباتٍ من موادَّ صغيرةٍ يجمعها ألوفُ الباحثين.

وحُقَّ للعلم الحديث أن يستخفَّ بالفلسفة لسَبْقِه إياها بأبحاثه، ولكنه لن يستغنيَ

عن الروح الفلسفية، فالروحُ الفلسفية في كلِّ زمن هي التي تَسْتَنْبِط المبادئَ العامة من

أعفار الوقائع، ثم تُوَجِّه هذه المبادئُ، على وجهٍ غير شعوريٍّ في بعض الأحيان، مباحثَ

الباحثين الذين لا يُحْصَى عددهم، فعلى هذا الوجه يَتَغَذَّى كلُّ جيلٍ بمبدأيْن أو ثلاثة

مبادئ من العقائد حتى يحين الوقت الذي تُقْلَب فيه هذه المبادئ رأسًا على عَقِب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت