وأبدى كثيرٌ من مُحْتَرِفي الفلسفة في نهاية الأمر من الآراء ما يشابه ذلك، فاسمع
القولَ الآتيَ لأحد مشاهيرهم ويلْيمْ جِيمْس:
يَعْنِي وضعُ الرجلِ قدمَه في صِنْف من الفلسفة أن يكون ذا علاقاتٍ بعالَم
مختلف عن العالم الذي تَرَكَه خَلْفَه في الشارع، وبلغ ابتعاد أحد ذَيْنِك العالَمَيْن
عن الآخر مبلغًا صار يتعذر معه أن يُفكَّر فيهما في وقت واحد ... وفي العالَم،
حيث جعلكم أستاذُكم تَنْفُذون، يبدو كلُّ شيء بسيطًا نظيفًا نبيلًا، فلا تُبْصر
متناقضاتِ الحياة، ويَظْهَر ذلك العالَمُ من طِراز قديم يَرْسُم العقلُ فيه
الخطوطَ الكُبْرَى وتَصِل مقتضياتُ المنطق فيه مختلفَ الأجزاء ... والواقعُ أن
ذلك رَسْمٌ واضح فوق عالَمنا الحقيقيِّ مضافٌ إليه أكثرَ من أن يكون وصفًا
لهذا العالم ... فلا تَجد فيه إيضاحًا لعالَمنا المُعَيَّن، فيُقام مقامَه شيءٌ يختلف
عنه اختلافًا تامٍّا، بدلًا من تفسيره.
وتقديراتٌ كتلك في ضَعْف قيمة الفلسفة مما تَجِده حتى عند أساتذة الفلسفة، فما
يُبْدِيه هؤلاء الأساتذة من عدم اكتراثٍ لها بَلَغ غايتَه في الزمن الحاليِّ، ومَنْ كان في رَيْب من
ذلك فلْيُراجِع التحقيق الطريفَ الذي قام به مسيو بِينِه لدى أساتذة الجامعة الرسميين
ليَعْلَمَ المذاهبَ الفلسفية التي ينتسبون إليها وماذا يُعَلِّمون، فهنالك يرى أن مُعْظم هؤلاء
الأساتذة كَفَّ عن الدفاع عن أيِّ مذهب، وأنهم يقتصرون على تدريس النظريات التي
يَدْعَمها رؤساءُ الجامعة دَعْمًا مُوقَّتًا، ما داموا مُكَلَّفين بإلقاء بعض الشيء وما دام أولئك
الرؤساء يُوَجِّهُونهم توجيهًا مختلفًا، والذي يظهر أن المذهب الوِجدانيَّ ومذهبَ الذرائع
النفعيَّ هما أكثر المذاهب حُظْوَةً في الوقت الحاضر.
وما نشاهده من عدم اكتراث العلماء والأساتذة للمناهج الفلسفية فقد عَمَّ الجمهور
المُثَقَّف أيضًا، وما وُضِع عن الحقيقة والجمال والخير وصفاتِ الروح ... إلخ، من تآليفَ
تليدةٍ فيلوح لغوًا هزيلًا خليقًا بأن يُتْرك لعلماء اللاهوت.
والفلاسفةُ الرسميون إذ عَطِلوا من كلِّ نفوذ داوموا على الجِدال بإسهاب في مسائلَ
مطروقةٍ منذ أكثر من أَلْفَي سنة غيرَ مُضيفين إليها عنصرًا جديدًا، وما كان لهم مَعْدِلٌ
عن الإبهام في التعبير سَتْرًا لِخَواءِ الفكر. 1
واليومَ تَتَحَوَّل الفلسفة القديمة إلى خلاصةٍ بسيطة للمبادئ العامَّة في كلِّ علم،
وتنقلب الرسائل الفلسفية التي تُطْرَح أمام كليات الجامعة إلى رسائلَ في العلم الخالص.
وإذا ما نظرنا إلى الأحكام الآنفة الذكر وحدَها ظهر لنا شأنُ الفلسفة في الوقت
الحاضر ضعيفًا إلى الغاية، وسنرى، مع ذلك، أن نفوذ الفلسفة، وإن كان دون ما كان
عليه في الماضي بمراحلَ، لا يزال عظيمًا.