فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 132

يَخْضَع الرجل المتمدن لقواعدِ سلوكٍ من أصول مختلفة، يَخْضَع للأخلاق الشخصية

وأخلاقِ زمرته وأخلاق المجتمع، وهكذا يَحُوز ذلك الشخص سلسلةً من الأخلاق المَنْضُودَة

التي يعمل كلٌّ منها تَبَعًا للأحوال، ولكن من غير أن تتوافق على الدوام، ولكن مع

تصادمها في بعض الأحيان، ويمكن الوطنيةَ، مثلًا، أن تُعَارِض الأخلاق الدينية، ويمكن

الأخلاقَ المنزلية، مثلًا، أن تعارض الأخلاقَ الطَّبَقِيَّة كما في الإضرابات على الخصوص،

وقد تُقَارِع الأخلاقُ التقليدية الأخلاقَ التي كَوَّنَتْها النظريات الحديثة.

وإلى عوامل تلك القُوَى يُضاف نفوذ العواطف والمشاعر، ومما يُرْبِك الإنسانَ كثيرًا

أن يُضْطَرَّ إلى موازنةِ عواملَ كثيرةٍ كتلك.

والواقعُ أن الإنسان لا يبالي بانسجام تلك العوامل إلا قليلًا، وهو يَدَعُ هذا الانسجامَ

يَحْدُث بنفسه على العموم، ويحافظ القانون والعادة والرأي العامُّ على ضَرْب من الأخلاق

المتوسطة التي هي عُنْوَان التوازن بين مختلف القُوَى الفردية والاجتماعية.

وفي المسارح والروايات وحدَها تقريبًا تبدو المصادماتُ الخُلقية العظيمة التي لا

تُفْصَل أحيانًا كحال إديپ الذي ذُعِر إذ عَلِم أنه قَتَل أباه وتَزَوَّج أمَّه، أو حالِ هَمْلِت الذي

حُمِل على الانتقام لأبيه بإقناط أمِّه، فلا بقاءَ لمجتمع بحدوث تلك المزعجات كثيرًا.

وليس للمصادمات الخُلُقية اليومية مثلُ تلك الأهمية لحسن الحظِّ، والحياةُ التي

تَحْفِز الناس في مجراها تقضي عليهم بالحركة من غير كبيرِ تفكيرٍ، ويُسَلِّم مُعْظم

المخلوقات بذلك بسهولة، ويَدَعُون أنفسَهم تهتدي بتلقينات الساعة الراهنة.

والمصادمةُ الخُلقية الوحيدةُ التي تُصادَف في الحياة عادةً هي ما قد يكون من

تناقض بين المصلحة الفردية ومصلحة المجتمع، وليس لدى الفرد سوى أسبابٍ بعيدةٍ

قليلةِ التأثير دافعةٍ إلى وَقْف نفسه على المصلحة العامة، وليس للمجتمع، مع ذلك، من

دوامٍ ممكن بغير مَزْج تَيْنِك المصلحتين، ويجب، لمعرفة درجة الثبات في الأمة، ومن

ثمَّ معرفة مصيرِها، أن تُعَيَّن، على الخصوص، الحدودُ التي تمتزج المصلحةُ الفردية

والمصلحة الاجتماعية ضِمْنَها.

ولا يكون ذلك الامتزاج تامٍّا إلَّا عند الشعوب التي ثَبَت مزاجها النفسيُّ بحياة طويلة

سابقة، ففي إبَّان سلطان الرومان كان أقلُّ جنديٍّ يَرَى تَقَمُّصَ عظمةِ رومة فيه، وعكسُ

ذلك حالُ البرابرة الذين كان يحاربهم الجنديُّ الرومانيُّ فكانوا عاطلين من الغُرُور

القوميِّ فيُمَثِّلون دور المرتزقة العاديين غيرَ ناظرين إلى سوى مآربهم الشخصية أو

مآرب زعمائهم.

وللإنكليز في أيامنا مبدأ شبيه بمبدأ الرومان، فلا يَغْفُل الواحد منهم عن مصالح

بلده الاجتماعية ثانيةً، فهو يعتقد، على الدوام، أنه يتكلم باسم بريطانية العظمى ويعُدُّ

نفسَه في كلِّ مكان ممثلًا لأمته، فلما بَلَغ الكَپْتِنُ سكُوتُ القطبَ وأحسَّ دُنُوَّ أجله كتب

وصيَته التي شَخَّص فيها نفسه بالأمة الإنكليزية كما يبدو ذلك من الأسطر الآتية:

لست آسِفًا على هذا العمل الذي يُثْبِت قدرةَ الإنكليز على الأعمال الشاقَّة

فيتعاونون فيما بينهم ناظرين إلى الموت بمثل بسالتهم في الماضي ... ونحن إذا

ما بَذَلْنا حياتَنا في هذا العمل كان ذلك في سبيل شرف بلادنا.

وتلك التضحيةُ تَمَّتْ بلا جُهْد ما دام ذلك الرائدُ الشجاع قد قَرَنشرفَ بلاده بشرفه

الخاصِّ.

والحقُّ أنه يجب ألَّا يغيب عن البال أن المجتمع إذا كان يمكنه أن يَفْرِض بقوانينه

بعضَ الزواجر فإنه لا يُوفَّق لجعل هذه القوانين محترمةً طويلَ زمنٍ عند نُمُوِّ الأثَرَة

الشخصية على حساب المصلحة العامة، أي عندما تَسِير أخلاق أفراد ذلك المجتمع باتِّجَاهٍ

مخالف لاتجاه مصلحته، والاتحادُ إذا ما كان ناقصًا ضَعُف الإخلاص للمصلحة العامة

يومًا بعد يوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت