فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 132

الفصل الثالث

تطور الفلسفة النفعي

مذهبُ الذرائع (البرَاغْمَاتيَّة)

تَهْدِف الفلسفة النَّفْعِيَّة، التي أطُلق عليها اسمُ مذهب الذرائع، 1 إلى البحث عن فائدة

الأشياء، لا حقيقتها، فافْتُرِض النافعُ أنه حقيقيٌّ، فغَدَت كلمة الحقيقة مرادفةً لكلمة

الفائدة.

وسُوفِسْطائيُّو اليونان، ولا سيما پرُوتاغُوراس الذي ذكرناه في فصل سابق، كانوا

قد تكلموا عن مذهب الذرائع منذ زمن طويل.

فعند تلميِذ هِرَقْلِيت هذا تُعَبِّر الحقيقة عما لدينا من فكر عن الأشياء، فلا حقيقة

خارجة عنا، وما ندعوه حقيقةً هو حقيقتُنا، وليس هنالك حقيقةٌ مطلقة، بل آراءٌ

شخصية يَعُدُّها من يعتقدها حقائقَ، والحقيقةُ متحركةٌ غيرُ ثابتة، ونحن لا نُقَدِّرها إلا

بإحساساتٍ متقلبة بحسب كلِّ فرد.

لا مقياسَ للحقيقة عند پِرُوتاغُوراس، فالحقيقة عنده لا تُثْبَت، بل تُمَثَّل، ولا يَخْلِط

هذا الفيلسوفُ الحقيقةَ بالفائدة مع ذلك، بل يُمَيِّز بينهما، ولكنه يذهب إلى إمكان اختيار

أفيد الآراء، فيرى وجوبَ قيام العدل على الفائدة، لا على الحقيقة.

ولا يبتعد أصحاب مذهب الذرائع المعاصرون عن جَدِّهم پرُوتاغُوراس أبدًا، فلا

حقيقة ولا خطأ عندهم، بل ينظرون إلى النتائج العملية، قال حَبْر هذا المذهب الرئيسُ

وِيلْيَمْ جِيمْس:

حقيقةُ الفكر بنتائجه ... ولا احتياجَ إلى تَقَبُّل حقائقَ مُعَيَّنة إلا عندما يصبح

من المفيد صنعُ ذلك ... والفكر لا يكون حقيقيٍّا ما دمنا غيرَ ذوي منفعة

حَيَوِيَّة في اعتقادنا أنه كذلك.

وكان نِيتْشِه قد صاغ مثلَ تلك القضايا مع اختلاف في التعبير، قال نِيتْشِه:

بُطْلان الرأيِ لا يعني اعتراضنا على هذا الرأي ... فالمهمُّ هو في معرفة المَدَى

الذي يُعَجِّل هذا الرأيُ به الحياةَ ويحفظُها، ومعرفةِ المَدَى الذي يُمْسِك به

النوعَ ويُنَمِّيه فترانا نَمِيل، كمبدأٍ، إلى القول بأن أخطل الآراء أكثرُها لزومًا،

وبأنه لا بقاء للإنسان بغير مَجْرَى القِيَم المنطقية القسريِّ، بغير تزييف العالَم

بالعَدَد، وبأن العدول عن الآراء الزائفة يَعْنِي عدولًا عن الحياة، إنكارًا للحياة،

فالاعترافُ بأن الكَذِب شرطٌ حَيَوِيٌّ هو مقاومةٌ خَطِرَة للمقاييس المألوفة فيكفي

الفيلسوفَ أن يَجْرُؤَ على ذلك ليُوضَع خارج الخير والشرِّ.

ويبدو حلُّ المسائل الدينية والخُلقية أمرًا سهلًا لدى أصحاب مذهب الذرائع، فالأديانُ

تكون صحيحةً إذا ما جَعلت الإنسان سعيدًا، ويجب عدُّ الوَهْم المفيد حقيقةً، والإيمانُ

أمرٌ ضروريٌّ، فلم يُسْفِر شَكُّ هَمْلِت عن غير العَطَل من العمل.

وترى الذَّرَائِعيِّين ينظرون إلى المعتقدات كما لو كان اختيارُها خاصٍّا بإرادة الإنسان،

وعكسُ هذا ما يذهب إليه علم النفس.

فالذرائعيُّ، إذَنْ، يكون، بحسب مبادئه، مؤمنًا أو ملحدًا، ماديٍّا أو روحيٍّا، فاضلًا

أو فاسقًا وَفْقَ منفعته الشخصية، ومن البديهيِّ ألَّا يُوصَى بمثل هذا المبدأ إلَّا قليلًا.

وإذا نُظِر إلى الذرائعية من الناحية الاجتماعية، بدلًا من النظر إليها من الناحية

الشخصية، أمكننا أن نقول إنها أقدمُ فلسفةٍ في البشرية، فكان بضعُ عشراتٍ من الناس

إذا ما اجتمعوا لتأليف قبيلةٍ اضْطُرُّوا إلى اتخاذ المنفعة دستورًا لجمعيتهم منتحلين

الفلسفةَ الذرائعية من حيث النتيجةُ ... ويمكن عَدُّ جميعِ كُتُبِ الحقوق القائمة على

العادات والتي يُشْتَقُّ منها جميعُ القوانين رسائلَ حقيقيةً لمذهب الذرائع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت