فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 132

لم تُمَثِّل العناصر العقلية أيَّ دور في تكوين الآلهة، والمؤمنون حينما حاولوا تسويغ

إيمانهم بالعقول كانت الأديانُ قائمةً منذ زمن.

وعلى ما ليس للبراهين من تأثير في الإيمان ظَهر علماءُ اللاهوت من المُبَرْهِنِين في كلِّ

زمن، وهؤلاء العلماءُ إذ حَصَرُوا أنفسهم في دائرة المعتقد ولم يَقْدِروا على الخروج منها

حاولوا الحكم بالعقل في مبادئَ بَدَا لهم وَهْيُها في بعض الأحيان.

ولم يَأْلُ علماء اللاهوت في القرون الوسطى جُهْدًا في بذل جهود عظيمة للتوفيق بين

الفلسفة الأفلاطونية الجديدة ومنطق أرسطو والمعتقدات النصرانية، وكان هؤلاء العلماء

يَطْمَعون أن يكتشفوا، بذلك، براهينَ قاطعةً لدَعْم إيمانهم، ومن هذه الفئة نُورِد القديسَ

أَنْسِيلْم مثلًا، فنقول: إنه كان يعتقد» وجودَ براهينَ تَكْسِر كبرياءَ اليهود والخوارج «،

فبَحَث عن هذه البراهين على غير جَدْوَى.

وما كان الباباوات في ذلك الزمن وفي زماننا لينظروا بعين القبول إلى تلك المزاعم

العقلية، ومن أولئك البابوات نذكر البابا غريغوارَ التاسعَ الذي قال في القرن الثالثَ

عشرَ»:إن هؤلاء العلماء اللاهوتيين المُبَرْهِنين بلغوا من الانتفاخ والغرور ما يشابهون به

الظُّرُوف «حتى إن القديس توما، الذي تُوُفيَّ سنة 1274، غدا بعد موته عُرْضَةً لحَمْلةِ

جامعةِ باريسَ فقضى أسُقُف باريس، في سنة 1276، على مذهبه قضاءً مُبْرَمًا.

فعند أولئك أن البابواتِ على الحقِّ ما اقتضى الإيمانُ الصحيح انتحالَ العقائد بلا

جِدال.

ثم إن تلك المحاولات العقلية كانت عقيمةً على الدوام، وما قام به العبقريُّ الكبير

پَسْكَالُ من المباحث ينفع لإثبات درجة الوهم في عَدِّ الإيمان أمرًا عقليٍّا.

ولم يَنْشَب العلماء أن عَدَلوا عن ذلك في نهاية الأمر، فالآن ترى علماء اللاهوت

يعترفون، طائعين، أن العقل لا يَصْلُح لتسويغ الإيمان، وتدلُّ جميع الملاحظات حول

تكوين الأديان وتطورها على اشتقاق اليقين الدينيِّ من عناصرَ عاطفية ودينية، لا من

البراهين العقلية، فالبراهينُ العقلية، وإن كانت تَتَنَضَّد فوقه أحيانًا، لم يكن تأثيرها في

المعتقدات إلَّا صِفْرًا على العموم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت