تَنِمُّ الفِرَق الپروتستانية على ما في المذهب الواحد من التغييرات فقط، والآن نبحث في
دِياناتٍ لا ترتبط في معتقدات قديمة أو إنها لا ترتبط فيها إلا بروابطَ ضعيفةٍ جدٍّا.
ونجاحُ الدِّيانات الجديدة، لا تأسيسُها، هو النادر في التاريخ، فقد ظهر في فرنسة
وحدَها بضعةَ عَشَرَ دينًا في قرن واحد، وإذا ما نظرنا إلى أشهر ما ظهر منها منذ سنة
1789 وَجَدْنا في أول الأمر عبادةَ العقل التي لم يُكْتَب لها سوى فَوْز وَقْتِيٍّ، ثم وَجدْنا
دينَ الكائن الأعلى الذي هو ضَرْبٌ من الإيمان بوجود الإله مع إنكار الوحي والذي ابتدعه
رُوبِسْپِير، ثم وَجدنا دينَ سويدِنْبُرغ الذي لا يزال ذا أتباع، ومذهبَ فالَنْتِن هَاوِي القائل
بالإيمان بالله من غير عبادة، والسَّانْسِيمُونِيَّةَ للأب أنْفَانْتِن، وعبادةَ الإنسانية لأوُغُوسْت
كونت، والروحانيةَ، والشيطانيةَ ... إلخ، وما كانت البقاع الأخرى أقلَّ من ذلك خِصْبًا.
والمَرْمُونِيَّةُ من أشهر الأديان الحديثة التي ظهرت في أمريكة، ولا تزال المَرْمُونِيَّة
دليلًا على القوة التي يَمُنُّ بها الإيمان المتين على الإنسان، ولو كان هذا الإيمان مخالفًا
للصواب، وتُؤَيِّدُ المَرْمُونِيَّة قولَنا: إن الدِّيانة تُحَرِّك الصِّفَاتِ الكامنةَ في الإنسان من غير
أن تُحْدِثها، وفي هذا سِرُّ ما نراه من إحداث المعتقد الواحد مختلفَ النتائجِ باختلاف
الشعوب التي تنتحله.
وذلك المعتقدُ - مهما كان بُطْلُه - لم يكن غير ذي تأثير عمليٍّ في الشعب النشيط
الذي لا يرى في الحياة غيرَ وجهها النَّفْعِيِّ، والمَرْمُونِيَّةُ من أسطع الأدلة على ذلك.
ومؤسسُ المَرْمُونِيَّة متهوسٌ صاحبٌ لكتاب مُقَدَّس مُشْبَعٌ من عِدَّةِ ذِكْرَيَاتٍ نصرانية،
ولم يُعَتِّم أن صار لهذا الدين الجديد عِدَّةُ أنصار، وكاد هذا الدين ينهار من فَوْره لو لم
يَجِد له زعيمًا من أولئك الزعماء العظام الذين يُقَاسون بالقديس بولس فلا يُكْتَب لأيِّ
إيمان نجاحٌ بغيرهم.
واسمُ ذلك القِدِّيس بولس الجديدِ الغَاوِي النشيط هو جوزيف سميث، ولم يَلْبَث
هذا الرجل أن جَمَعَ عِدَّةَ مئاتٍ من الأتباع.
ومن دواعي الأسف أن قال مذهب المَرْمُونِ بمبدأ تعدد الزوجات الذي يَعُدُّه پُيورِيتَانُ
أمريكةَ من الفضائح، فَأهُْرِعَت كتائبُ لإبادة الخوارج، فَنَجا جوزيف سمِيث وتلاميذه في
أوُهيو حيث أَسَّسُوا ثلاثَمائة مزرعةٍ كُتِب لها الفلاح بسرعة، وَحَمل الپيُورِيتَانُ الغِضَابُ
بعضَ الجنود على حَرْق تلك المزارع، فجُرِّد أولئك المؤمنون، بذلك، من كل ما يملكون
فهاجروا إلى شواطئ إلِّينْوَا فسِيقَتْ إليهم كتائب لقتلهم، فهنالك هاجروا بقيادة نَبِيِّهم إلى
الغرب فبلغوا شواطئ «البُحَيْرَةِ المالحة» في سنة 1844 بعد أن جابوا أكثرَ من خمسمائة
فرسخ، بَلَغُوا تلك البُقْعَةَ الجديبة الكئيبة التي لا يدور في خَلَد عَدُوٍّ أن يطاردهم فيها.
وما كان يَلُوح إمكان أيِّ استعمار هنالك، ولكن المَرْمُون تَغَلَّبُوا، بفضل حرارة
إيمانهم، على جميع ما كان يظهر تَعَذُّر اقتحامِه من العوائق، فَحَوَّلوا في خمسين سنة تلك
البُقْعَةَ الجديبة إلى بُقعة خصيبة مَكْسُوَّة بالمدن والمباني والمعامل ومختلف الصِّناعات،
وبلغ عدد المَرْمُون من الكثرة ما أوجب العدول عن اضطهادهم، والمرمونُ مَدِينُون بهذه
الكثرة السريعة لانتحالهم مبدأَ تعدد الزوجات، وغيرُ قليلٍ عددُ رجال المرمون الذين
يتزوج الواحدُ منهم ثمانيَ نِسْوَةٍ أو عشرَ نسوةٍ 1 فيكون له ثمانيةَ عشرَ ولدًا، والمرمونُ
-لِما ينالونه من الثَّرَاء بِكَدِّهم - يَسْهُل عليهم إعالةُ عِيَالِهم.
واستعدادُ المَرْمُونِ للدعوة الدينية نَامٍ نُمُوَّ استعدادهم الصِّناعي، ومن ذلك أن
حَبْرهم الأخيرَ الذي هو أبٌ لاثنين وأربعين ولدًا ومديرٌ لمَصْرَف كبير أَرْسَل 1200 مُبَشِّرٍ
إلى أنحاء العالم، وقد يستطيع هؤلاء المُبَشِّرون أن ينشروا المَرْمُونِيَّة، ولكنهم لن يقدروا
على مَنْح أتباعِها الجُدُدِ صِفَاتِ العِرْق الخُلْقية التي أوجبت نجاحَها في أمريكة، ومما أراه
أن حَبْر المرمون يكون على شيء من الوَهْم إذا ما طَمِع في انتحال الكَوْن لمَذْهبه.