فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 132

الباب الثاني

دَائِرة اليقين العَاطِفي وَالجَمْعِيِّ

الأخلَاق

الفصل الأول

تعريف الأخلاق

الخَيْرُ والشرُّ والفضيلة والرذيلة

سيَجِدُ فلاسفة المستقبل، حينما يكتبون تاريخًا عن أضاليل الروح البشرية، وثائقَ ثمينةً

في رسائل علم اللاهوت والسحر والأخلاق، وعلى ما تُورِثه قراءة هذه الرسائل من كبيرِ

مَلَالٍ نرى أنه لا بدَّ منها لإثبات ما يَنْجُم عن أبسط الأمور من تفسيرات مُخْتَلَّة ولإثبات

درجة الصعوبة في الجَدَل ببراهينَ عقليةٍ حول الحوادث التي هي وليدة المُؤَثِّرَات الدينية

والعاطفية والجَمْعِيَّة المستقلةِ عن العقل.

وسار علماء اللَّاهوت وعلماء الأخلاق على غِرَار أرسطو وأفلاطون في دِراسة الأخلاق

من غير أن يَقْدِروا أن يقيموا ما هو ثابتٌ منها، والدليل على ذلك ما تُبْصِره من الفوضى

العميقة التي لا تزال باديةً في الوقت الحاضر حَوْلَ هذا الموضوع القديم.

وتَتَجَلَّى شُكُوكُ الساعة الراهنة في تضاعيف طائفة من المؤلفات، ولا سيما في الخُطَب

التي تُلْقَى في عظيم مؤتمرات الفلسفة والأخلاق، ولا شيء أدعى للحُزْن، مثلًا، من مطالعة

المَحْضَر المشتمل على الخُطَب التي نُطِقَ بها في مؤتمر التربية الخُلُقِيَّة الدَّوْلِيِّ الذي عُقِد في

لاهاي سنة 1912، 1 وفي ذلك المؤتمر اشترك جهابذة كمسيو بُوتْرُو وبوِيسُون، فما كان

من تناقضهم في معظم المسائل الأساسية وارتباكِهم حَوْلَها يُثْبِت مقدار الفوضى التي

تُفَرِّق بين النفوس في الزمن الحاليِّ.

ومما انْجَلى عنه ذلك المؤتمر، على الخصوص، هو تَبَدُّد الأمل في أن العِلم يمكنه أن

يُنِير تلك المسائل، «ففي الأمة يبدو ما هو غريبٌ من شعور الجَزَع والهَلَع، وهذا الشعور

يُصِيب حتى المؤمنين، حتى الأصفياء، والإيمانُ العقليُّ يَنْثَنِي ويَحِلُّ الشكُّ والتردد محلَّ

الثقة والحماسة ... » ويَأْلَم مسيو بُوتْرُو، مثلَنا، من الفوضى الخُلقية العتيدة، ولكنه لا

يَقْنَطُ أبدًا.

ويَحِقُّ لمسيو بُوتْرُو، لا ريب، أَلَّا يَيْأَس وأن يُصِرَّعلى مَيْله إلى التوفيق، ومن المؤسف

أن يأتيَ مسيو بُوتْرُو، في سبيل هذا التوفيق، بمبادئ مبهمةٍ إلى الغاية مقتبسةٍ من علم

لاهوتٍ هَرِم، فقد قال: «إن الأخلاق تنشأ عن الدين؛ وذلك لأن لله هو الخيرُ بعَيْنِه وهو

الكمالُ بعينه.»

وقال مُدَوِّن محاضر ذلك المؤتمر مستنتجًا: «لَاحَظَ مسيو بُوتْرُو درجةَ البَلْبَلة التي

ساورت مؤتمرَ لاهاي مع ما كان يَسْعَى إليه من التوفيق، ولم يُرْضِ هذا المؤتمرُ أحدًا

من الذين اشتركوا فيه طَمَعًا في إعادة التوازن إلى النفوس التي آلمتها الفوضى الخُلقية في

الحياة الحديثة.»

ولم تَلْبَث تلك المناقشات الدَّعِيَّة أن جاوزت سياج البرلمان، ففي 21 من يناير سنة

1910 شَرَح خطباءُ في البرلمان أسُُسَ الأخلاق فوَجَدوا أفاضل الفلاسفة لم يكتشفوا أيَّ

واحد منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت