ومما أثبتوه، بِنُبَذٍ اقتطفوها من أساتذةٍ في الجامعة لا خِلَافَ فيهم، أن أساتذتنا في
الفلسفة اجتمعوا برئاسة عميد كلية الآداب مسيو كِرْوَازِه لتعيين أسُس الأخلاق فانتهوْا
إلى نتائجَ يُرْثَى لها.
قال مسيو ج. پِيُو: «أتى كلُّ واحد بما عنده من أنوار، وأولئك أناسٌ ذوو ثَقافة
عقلية عالية وذوو استقامة سامِيَة، فهم بعد أن جَدُّوا كثيرًا فلم يَجِدوا شيئًا شَعَروا
بالخيبة فخرجت من أفواههم الكلمةُ الواحدة: مستحيل!»
وقال أحدُ أولئك، وهو ليس ممن يجيء في المرتبة دون أولئك، وهو مسيو بُوتْرُو:
«وما الفائدة، وما العلة في إطلاع الجمهور على اختلاف العلماء في مبادئ السلوك في
الحياة؟» وما انفكَّ الاعتراف بالعجز تَلْفِظه الأفواه، حتى إن مسيو پَايو قال»: انصرفَ
مَنْ كان يجب عليهم أن يُنِيروا السبيل، فتركوا الكثلكة، ولكنهم لم يَلْبَثوا ساعةً من نهار
حتى أدركوا أنهم لم يُقيموا شيئًا آخر بدلًا منها، وأنهم لم يَسِيروا في حياتهم إلى أبعدِ ما
تَهْدي إليه عادات الإحساس والتفكير القديمة، وهكذا عُدْتَ تَرَى خيلًا تسوق العربةَ بلا
سائق، واذْكُرْ، إذَن، مناهجَ الأخلاق التي استنبطها المذهب العقليُّ من الأخلاق الربانية
فَرَكَمَها، فقد ابتدع مسيو بورجوا آدابَ التضامن فنالت الحُظْوَة ذات يوم، ثم أَعْرَض
عنها، بعد أن أعلن مسيو جاكوب - وقد رُئِيَ أنه من أولي العبقرية - أنها مما لا يُسَلَّم
به، وقيل بالأخلاق العِلمية، ثم أعلن مسيو هنري پوانكاره، مع الأسف، عدمَ وجود أخلاق
علمية.
وإليكَ، أيضًا، الأخلاقَ التِّلْذَاذِيَّة، والأخلاقَ النفعية، وأخلاقَ مسيو كونْب الماسونية،
وإليك وإليك، فالأمرُ هو «ضوضاءُ أدمغةٍ» كما قال مُونْتِين.
ويكتنف تعليمُ الأخلاق أفضلَ الأساتذة اكتنافَه محترفي السياسة، وتَجِدُ دليلًا جديدًا
على ذلك في مُذَكِّرَةٍ حديثة نشرها عميد كلية الآداب العَلَّامة مسيو أَلْفِريد كِرْوَازِه حَوْلَ
«الارتباك الخُلقي» ، قال مسيو كِرْوَازِه:
ترى علم الأخلاق في جميع البرامج، فهو يُدَرَّس في جميع صفوف المدرسة
الابتدائية، والمدرسةِ الثانوية كشيءٍ منفصل عن الدين، وماذا يَصْنَع المعلم
تِجَاه هذا العمل الجديد؟ وماذا يكون تفكيره في أمره الخاصِّ؟ وماذا
يقول لتلاميذه؟ هو مُلْزَمٌ بالحياد الدينيِّ، فباسم أيِّ مبدأ غير دينيٍّ يُعَلِّم
الواجب والفَرْضَ الخُلقي؟ هو يسأل الفلاسفة فيَظْفَر بأجوبة متهادمة، يَظْفَر
بالروحية الانتخابية وبالكَنْتِيَّة وبمذهَبيْ غُويُو ونِيتْشِه الحديثيْن وبالأخلاق
العلمية وبنظرية علم الطبائع ... إلخ، فهنالك يَعْتَرِيه الارتباك والشكُّ، ويقوم
بعض تلك المذاهب على مبادئ ما بعد الطبيعة التي تَلُوح له باطلةً، ويَظْهَر
بعض تلك المذاهب بعيدًا من مبادئ الأخلاق التي تُعَدُّ جوهرية، فماذا يصنع؟
يحاول أن يُفَكِّر بنفسه فيَشْعُر بعُسْرِ شأنه فيُخْدَع في بعض الأحيان.
ونحن، حين نَدْرُس أسُسَ الأخلاق الخياليةَ وأسُسَها الحقيقية، نَبْحَث في صدور
رِيَبِ الأساتذة والمشترعين الراهنة عن الوَهْم الشائع اليوم والقائمِ على الاعتقاد القائل
بقيام الأخلاق على العقل مع أنها تُشْتَقُّ من عناصرَ مستقلةٍ عن العقل.
والمناهجُ الحاضرة لدراسة الأخلاق إذ لم تُؤدِّ إلى غير تلك الشُّكُوك فإننا نحاول
الانتفاع بغيرها.