فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 132

خلودُ الآلهة في التاريخ يكفي لإثباته ملاءمةَ هذه الآلهة لاحتياجات النفس الثابتة، وإذا

حَدَثَ أن البشر غَيَّروا آلهتَهم، في بعض الأحيان، فإنهم لم يستغنوا عنها قطُّ، والناسُ

شادوا القصور للآلهة قبل أن يقيموها للملوك، وما احتياجُ الإنسان الراسخُ إلى الدين إلا

كمناحي طبيعتنا الأساسية.

والروحُ الدينية عنصرٌ جوهريٌّ من عناصر الأديان، وهي ذات شأنٍ عظيم في تكوين

المعتقدات الدينية أو السياسية.

والروحُ الدينية هي ركنُ مختلفِ الأديان، وتَجِد من أوصافها المشتركة - لهذا

السبب - مخافةَ الأمرِ الخفيِّ، والأملَ في الأمر الخفيِّ، وعبادةَ الأمر الخفيِّ.

أَجَلْ، لم تؤدِّ الروح الدينية إلى غير أجوبة خادعة عن مسائل الحياة والكون، بَيْد

أن هذه الروح سلكت بالإنسان طريقًا جديدة فقادته إلى المعارف التي نعيش اليوم بها

بعد جهود دامت عِدَّةَ قرون.

وليست الروح الدينية الأساسَ الوحيدَ للمعتقدات الدينية، فلهذه المعتقدات دعائمُ

من العناصر العاطفية أيضًا، ومن بين هذه العناصر نذكر الخوفَ والرجاء والاحتياج إلى

التفسير على الخصوص.

والخوفُ هو أكثر تلك المشاعر تأثيرًا على ما يحتمل، وإلى الخوف يعزو لُوكْرِيسُ

ظهورَ الآلهة.

وخوفُ الإنسان أمام القُوَى الهائلة التي يُحِسُّ إحاطَتها به أمرٌ طبيعيٌّ كرجائه

في نَيْل حمايتها بالصلوات والهبات، ومخافةُ القُوَى الطبيعية المتحولةِ إلى آلهة متشابهة

بعض التشابه والأملُ في استمالتها من المشاعر العامة عند الشعوب، فالجميعُ ساروا كما

سار المكسيكيون بعد زمن، فهؤلاء المكسيكيون إذ كانوا يجهلون الخيول عبدوا فرسانَ

الإسبان، من فوْرِهم، وقتما بدا هؤلاء الإسبان لهم حاملين أسلحتهم النارية قاذفين

الصواعق بها.

ولا يبدو الخوفُ والرجاء في الأديان الابتدائية وحدَها، بل يَبْدُوان أيضًا في أديان

أمدن الأمم، فما كانت لتَقُومَ للنصرانية قائمةٌ بغير الخوف من نار جهنم والأمل في نعيم

الجنة.

والشروحُ السابقة - وإن كان يُدْرَك بها أصل المعتقدات الدينية - لا تَصْلُح لتفسير

تكوين مختلف الأساطير، فكيف ظهر جُوپيتِر وأَپُولُون و?ينُوس ودِيَانا وكيف حدثت

مغامراتُ هؤلاء؟ لا يمكن العلمَ أن يجيب عن ذلك لِما كان من دخول عامل الخيال

المستقل عن كلِّ منطق عقليٍّ في اختلاق تلك الآلهة الوهمية.

وليست بمجهولةٍ درجةُ بَسْطِ الخيال للحوادث وتشويهه لها، والرُّؤَى والأحلامُ إذ

كانت مَنْبَتًا للخيال ومَوْكِبًا له؛ فإنه يُفْسِد الوقائع التي قد تكون حقيقةً في بدء الأمر.

والأساطيرُ هي - كمُعْظَم الحماسيات والأقاصيص- مما ظَهَر في كلِّ زمن، ونذكر

منها الأوُديسة، وروايةَ ألف ليلة وليلة على الخصوص.

والأساطيرُ، مع ذلك، لم تَتَكَوَّن إلا في قرون بما كان من إضافاتٍ وتَحْشِيات

وتحريفات متتابعة، والأساطيرُ - إذ أدُِيمَت بالأحاديث الشعبية - اكتسبتْ ثباتًا عظيمًا

بالتدريج فكانت أصلَ الشعائر المعقدة التي تراعيها الأمم المتمدنة والأمم المتوحشة، ومن

ذلك أن هوپيس الكولورادو عانَوْا كثيرًا في اتِّباع شعائرِ ديانةٍ تقول بأن عالَم ما تحت

الأرض آهِلٌ بموجودات جامعة لشكل الوعول والأفاعي فَتمْلِكها امرأةٌ على شكل العنكبوت

فتَنْسِجُ هذه المرأة السُّحُبَ التي يَسْقُط منها المطر.

وجميعُ الأديان مفعمةٌ بالأقاصيص المختلفة من أولها إلى آخرها، ومن هذه

الأقاصيص مغامرةُ ذلك الفارس الملحد الذي أراد مَلْءَ برميلٍ صغير بماء يَنْبُوعٍ ثم

بماء نهر ثم بماء بحر فَيُبْصِرُ الماءَ يَفِرُّ منه في كلِّ مرة، ووجب أن يكون هذا الفارسُ

كثيرَ الشك؛ لِما كان من تعاقب تلك المعجزات أمامَه لِيُثَبِّتَ إيمانَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت