إن الوجدانية الحديثة هي رَدُّ فعل واضحٌ ضدَّ العقلية، أو ضدَّ عَجْز العقلية، والحقُّ أن
الفلسفة القديمة لم تستطع أن تُجَاوِز بعضَ الحدود أو أن تُوضِحَ واحدةً من مُعْضِلات
مصايرنا.
ولم يُلْقِ مذهبُ دِيكارْت العقليُّ، ومذهبُ كَنْتَ الارتيابيُّ، ومذهبُ كُونْتَ الوضعيُّ
الضَّيِّق، وسُخْرِيَةُ رينانَ الخالدةُ أيَّ نورٍ على بعض حوادث الحياة والعاطفة؛ فجاز لنا
أن نفكر مع پَسْكال القائلِ: «إن آخر ما انتهى إليه العقل هو وجود أشياءَ مجاوزةٍ له،
وجودُ أشياءَ لا نهاية لها.»
وعلى أيِّ العناصر تُقام الفلسفة إذَنْ؟ وكيف يُجَاب عن الأماني الخالدة التي يَظَلُّ
العِلْم صامتًا أمامها.
هنالك اكتشافاتٌ كثيرة حديثة تجعلنا نَأْمُل أَلَّا تكون دائرة الوِجدان، التي ارْتِيدَتْ
كثيرًا فيما مضى قد أَلْقَت جميعَ أسرارها، وكان علم الحياة وعلم الأمراض قد نَفَذَا بعضَ
النفوذ دائرةَ اللاشعور ومن ثَمَّ الحياة الوِجدانية، وفي هذه الدائرة تُبْصَر في كلِّ يوم،
وأكثرَ من قَبْل، منابعُ عميقةٌ لمشاعرنا وحياتنا اللاشاعرة، فليس لِلَّاشعور العاطفيِّ
وضوحُ الشعور العقليِّ بالحقيقة، وهو يهيمن عليه في الحقيقة؛ لِما نراه من نَبَات أَمَالِي
العقل على أساس اللَّاشعور في الغالب.
ويَبْدُو اللَّاشعور، أو الوَعْيُ الباطنيُّ كما يُسَمَّى اليوم، ضَرْبًا من النشاط النفسيِّ
الذي تَصْدُر عنه ضُرُوبُ النشاط الأخرى، واللَّاشعورُ هو مَنْبَعُ الحياة العضوية أيضًا
كما أنه منبعُ النشاط النفسيِّ فيُسْتَنَد إليه في كثير من المسائل الفلسفية، ومن اللَّاشعور
تُشتَقُّ عناصر الأخلاق التي تتألف الشخصية منها، ويُعَدُّ اللاشعور مَخْزَنًا جامعًا لفكر
جميع أجدادنا فتستمدُّ روحُنا اللَّاشاعرة منه على الدوام، وباللَّاشعور يَتَميَّز الناس على
الخصوص، ولا يختلف المتمدن عن الهمجيِّ إلَّا بِسُمُوِّ روحه اللاشاعرة، ويمكن تعريف
اللَّاشعور بروح الأجداد المتكاثفة.
وتقوم دراسة اللَّاشعور، التي لم تَكَدْ تُبْدَأ، ُ على مناهجَ مختلفةٍ.
فألقى علم الأمراض العصبية بصيصًا ضئيلًا على دائرة اللاشعور التي ظَلت
مجهولةً جهلًا عميقًا لطويلِ زمنٍ، وذلك ببحثه في انفتاق الشخصية وتحليلِه العناصرَ
النفسية.
ولا تزال الفلسفاتُ المُشْتَقَّة من دِراسة اللاشعور ناقصةً، ومن الصعب أن نبصر
من الآن ماذا يمكن أن يَخْرُج منها.
ومسيو بِرغْسُنُ هو أفضل ممثلي الفلسفة الوجدانية الحديثة، ومن أقواله:
تصبح المعرفة أقلَّ ضبطًا بالانتقال من الجُثْمانيِّ إلى الحَيَويِّ فإلى النفسيِّ،
فهنالك يتدخل الوجدان.
وعند برغْسُن أن الطبيعة منحتنا العقلَ من أجل الحياة، لا من أجل تفسير الأمور،
فنحن نجاوز غايتَه، إذنْ، بمحاولتنا تفسيرَ الأمور، وعند برغْسُن أن العالم الماديَّ الذي
يقول به العلم ساكنٌ غيرُ دائم على حين يدوم عالم الحياة وعالم النفس في مجرًى أبديٍّ
على حسب تَصَوُّر هِرَقْلِيت.
» فالإدراكُ يَعْنِي السكون، «ويرى مسيو بِرغْسُن أن الأمور تَمُرُّ كما لو كان أصل
النور الذي يُوصَف بالعقل مُحَاطًا بضَرْب من السَّدِيم الذي تَنْضَج فيه قُوًى مجهولة.
ومبدأ حُركة الأشياء ذلك مما قال به فلاسفةٌ قدماء، مما قال به تلاميذُ دِيمُوقْرِيط
وپروتاغوراس، فهؤلاء كانوا يَرَوْن أن الأشياء الساكنة أمرٌ مصنوع وأنها، في الحقيقة،
هُنَيْهَةٌ من حياة دائمة.
وأصاب مسيو بِرغْسُن في تفريقه العميق بين الغريزة والعقل، وما فَتِئْتُ في كتبي
الكثيرة أعُدُّ الغريزةَ الغامضة الأمر، مع الحياة التي هي وجهٌ من وجوهها، حَجَرَ زاويةٍ
كبيرًا في الفلسفة والعلم، وتُقِيم الغريزة في طريق المعرفة سُورًا منيعًا لم يَقْدِرْ أيُّ بحث
على هدمه.