كان علماء الاجتماع يُؤَكِّدون منذ سنواتٍ الأثرَ الجَمْعِيَّ في الأديان، وقد أبَنْتُ هذه الظاهرة
منذ زمن طويل حين كان العلماء ينكرونها كثيرًا، بيد أن من الخطأ أَلَّا يُرَى في الأديان
سوى ظاهرتها الجَمْعِيَّة، فالأديانُ هي، كما أقول مكرِّرًا، من صنع الفرد ومن صنع
الجموع معًا، هي من صنع الفرد لِما يُرَى من مُوجِدٍ لها في الأساس، كالنبيِّ أو الرسول
ذي العمل العريض، وهي من صنع الجموع لاشتقاقها عادةً من المعتقدات السابقة
العامة، ولتحول الأديان بعد أن تَسْرِيَ في الجموع، فعلى ما تبصره من الشعائر والرموز
التي تَثْبُت بها مظاهرُ المعتقد الخارجية تَفْصِل بين الإيمان الشعبي والكتب المقدسة هُوَّةٌ
عميقة كما سنرى ذلك عما قليل.
والمعتقدات الدينية هي جَمْعِيَّةٌ أيضًا لتَوَقُّف نجاح الرُّسُل على اعتناق الناس
لتعاليمهم اعتناقًا عامٍّا، وهي لا تنتشر إلا إذا لاءمت رغائبَ الزمن واحتياجاتِه، وفي هذا
تَجِد السِّرَّ في إبداع الرسل لقليلٍ من الأديان الثابتة مع أن عددهم كثير لا يُحْصَى في
التاريخ، ومَنْ وُفِّقَ منهم لهذا، كَبُدَّهَة) بوذا (ومحمد، فقد ظهر في الوقت المناسب حين
أضحى تَحَوُّلُ المعتقدات القديمة ضَرْبةَ لازب.
فهنالك تنتشر العقائد الجديدة بالتلقين والعدوى النفسية، وتعاني من فَوْرِها من
التحولات ما تَفْرِضُه الضرورة.
والتحولاتُ التي تَفْرِضُها المُؤَثِّرَات الجَمْعِيَّة على الأديان عظيمةٌ إلى الغاية، فسَنُفْرِدُ
لها فصلًا خاصٍّا، ويمكن تعريف كلِّ دين بأنه عملٌ فرديٌّ لم يَلْبَثْ أن يتحول إلى أمر
جَمْعِيٍّ.