يحاول الفلاسفةُ الوِجدانيُّون أن يَفْصِلوا الوجدان عن العقل، وأن يجعلوه مشتقٍّا من
العاطفة الصِّرْفَة فيُحْدِثوا بذلك خلطًا يجب تبديده.
ويعارض أولئك الفلاسفةُ الوِجدانَ بالعقل فيُعَبِّر اسم الفلسفة اللَّاعقلية عن هذا
الاتجاه، ولا أَجِدُ ما يُسَوِّغ هذا التفريق، أَجَلْ، إن دائرة العقل منفصلة عن دائرة العاطفة،
ولكن الوِجدان يسيطر على الأولى سيطرتَه على الثانية.
وعندي أن للوِجدان نوعين مختلفين أشدَّ الاختلاف، وهما: الوِجدانُ العقليُّ والوجدانُ
العاطفيُّ.
فالوِجدان العقليُّ: يُعَيِّن نشوءَ تلك الأفكار الغريزية والجِبِلِّية أحيانًا، والتي هي
أمَّهَات الاكتشافات العظيمة التي تُنِير فكر العالَم في بعض الساعات، فما كان غَلِيلِه
ونُيوتُن وهنري پُوَانكارِه ومن إليهم إلا وِجدانيين عقليين، وپُوَانكارِه هذا أعلن ذلك
بنفسه.
وتختلف الوِجداناتُ العقلية عن الوِجدانات الشعورية في أن الأولى خاصَّةٌ بعالَم
الأفكار وأن الثانية خاصَّةٌ بعالَم المشاعر، ويَتَجَلَّى الوِجدان العاطفيُّ أو الدينيُّ في
الاندفاعات غير الشاعرة التي تقود أكثر الناس والتي يناهضها العقل بكبير جُهدٍ حتى
عند ذوي النفوس العالية، ولا يَخْرُج الأولاد والنساء والفِطْرِيُّون والهَمَج والجموع، أبدًا،
عن دائرة الوِجدانات اللَّاشاعرة التي هي من أصلٍ عاطفيٍّ أو دينيٍّ.
والوِجداناتُ العقلية إذ إنها خاصَّةٌ بعدد قليل من الناس، والوِجدانات العاطفية أو
الدينية إذ تُشَاهَد لدى الجميع سَهُلَ علينا أن نُدْرِك السبب في أن الفلسفاتِ العاطفيةَ
شعبيةٌ على الدوام، فكلٌّ يرى فيها تسويغَ اندفاعاتٍ يعمل العقلُ القديم والأخلاقُ التالدة
على زَجرها.
ويكون الرجلُ الوِجدانيُّ العاطفيُّ، في الغالب، من أولئك المَرَدَة الذين تختلف
أسماؤُهم بحسب الأزمنة، فكان الرجلُ الروائيُّ القديم يستلهم الفلسفةَ الغريزية التي
يستلهمها الثَّوْرِيُّون والعَدَمِيُّون في الوقت الحاضر.
وقد يكون الواجدانُ العاطفيُّ مفيدًا إذا لم يُجَاوِز بعضَ الحدود، ولكن مجتمعًا لا
دليل له غير الوِجدان العاطفيِّ لم يُعَتِّم أن يَعُود إلى طَوْر الهمجية الأولى.
ونحن إذا ما نظرنا إلى نتائج تقدم الوجدان العاطفيِّ والوِجدان العقليِّ اعترفنا،
من فَوْرِنا، بأن سَيْر الحضارة المتصاعدَ مَدِينٌ لنُمُوِّ الوِجدان العقليِّ وتناقصِ الوِجدان
العاطفيِّ، وما شأنُ التربية إلا في تَنْمِية الوجدان العقليِّ، وما شأنُ القوانين المدنية والدينية
إلا في زَجْر الوِجدانات العاطفية التي هي من بقايا الحيوانية الأولى، والمثلُ الأعلى هو في
حفظ توازن ذَيْنك الوجدَانَيْن، قال پَسْكال: «للعقل نظامُه القائم على القياس والبرهنة،
وللقلب نظامٌ آخر.»
ولا نَزْعُم ببياننا الموجز السابق أننا نُجَدِّد تاريخ الفلسفة، ولكننا أوضحنا فيه،
فقط، تطورَ الأفكار التي تَرَكتها في الذهن البشريِّ، كما عَرَضْنَا فيه، باختصارٍ، كيف بدَا
مبدأ اُلحقيقة للفلاسفة.