نُسَوِّغ إطلاقنا اسمَ الدِّيانة التركيبية على النصرانية؛ لِما كان من تَبَنِّي النصرانية لمعتقداتٍ
سابقة كانت تَزْعُم انفصالها عنها على الخصوص.
كان على مذهب يسوع، منذ خروجه من عالَم بلاد اليهودية الضَّيِّقِ ليَنْفُذَ في الحياة
الإغريقية الرومانية، أن يلائم أفكار البِيئَات الجديدة واحتياجاتِها ومشاعرَها بحكم
الضرورة.
وقد وُفِّق لذلك بما استعاره من عناصر الفلسفة اليونانية والدِّيانات الشرقية التي
كانت ذاتَ حُظْوَة كبيرة في ذلك الحين.
والعِلْمُ الحديث قد أبان بسهولةٍ ما أنُْكِر زمنًا طويلًا من امتزاج المؤَثِّرات الأجنبية
ذلك.
قال مسيو غِنِيبِر»: وَجَدَت النصرانية عنصرًا لها في الوثنية والأوُلَنْبِيَّة والأوُرفية
والدِّيانات الشرقية والمذاهب الفلسفية ... فغَدَت ديانَةً حقٍّا، غَدَتْ دِيانَةً أكملَ من غيرها؛
لِما كان من اقتباسها أحسنَ ما في غيرها «.
وما انفَكَّت النصرانية في قرونها الخمسة الأولى تتحول بتلك الإضافات فأضحت
مع الزمن مزيجًا من جميع المعتقدات الشرقية، ولا سيما معتقداتِ مصرَ وفارسَ التي
كانت كثيرة الانتشار في العالم الوثنيِّ فكان لإيزِس ومِيتْرَا عِدَّةُ أَتْبَاعٍ فيه على الخصوص،
ومُعْظَمُ ما تبصره في النصرانية من الطقوس والشعائر والرموز والكفاح بين الخير
والشرِّ هو من دِيانة مِيتْرَا.
قال مسيو أ. ريناك: «أَدَّتْ قِصَّة إرضاع إيزِس لهوروسَ إلى إبداع قصة العذراء
وابنها، وأدت قصةُ طعنِ هوروسَ للتمساح إلى إبداع قصة صَرْع القديس جورج والقديس
ميشيل للتِّنِّين، وليس بمجهول أن تأثير مصرَفي النصرانية لم يَقِف عند هذا الحدِّ ... فقد
وُسِمَت مصرُ النصرانية حتى فيما قالت به من جُرْن الماء المُقَدَّس ونواقيسِ القداديس
ومجالسِ جهنم مع شياطينها والدعاء للمَوْتَى.»
وبلغت النصرانية في تطعيم شعائرها بمثل تلك الاقتباسات الكثيرة ما ظَنَّ معه
آباء الكنيسة، الجاهلون لتلك الإضافات التدريجية، أن دِيانة مِيتْرَا هي تحريفٌ شيطانيٌّ
للنصرانية مع أن العكس هو الصحيح.
والنصرانيةُ، لتلك الإضافات المتعاقبة، تطلبت عِدَّةَ قرون ليَتِمَّ تكوينها، حتى إنه
يمكن أن يقال إن النصرانية ظَلَّت عاطلة من أيِّ عَرْض رسميٍّ إلى أوائل القرون الوسطى،
فبقيت قراراتُ المؤتمرات الدينية غيرَ مُؤَثِّرَة لتناقضها.
وإذ لم يكن لأسْقُف رومة ما يَفْضُل به زملاءَه لم تَسْطِع أية سلطة مركزية أن
تُحَدِّد رِيَبَ علماء اللاهوت، ولم يفكر أحد آنئذ في عَظَمة نفسه.
ومن الطبيعيِّ أن يتطور الدين النصرانيُّ بحسب نفسية الأمم التي انتحلته، وظَلَّ
هذا الدين عِدَّةَ قرون مزيجًا من عناصرَ متباينةٍ أشدَّ التباين، وما بَذَله علماء اللاهوت من
الجهود لتعيين عقائده ذهب أدراج الرياح، وما فَتِئَت الانفصالات والإلحادات تَزِيد، وما
استطاع مؤتمر نيقية) إزنيق (الدينيُّ أن يَصِل في سنة 325 إلى صَوْغ النصرانية صَوْغًا
واضحًا، وهذا المؤتمر لم يجتمع، مع ذلك، إلَّا ليناهض أريوس الذي أنكر كَوْنَ الابن إلهًا
كالأب، وهذا المؤتمر قد انتهى، مع ذلك، إلى النتيجة المهمة القائلة بتأليه يسوع.
ولا تَجِد كالنصرانية دينًا لم يتخلص من مشاحنات علماء اللاهوت، ومن المحتمل
أن كان هذا الدين يَنْحَلُّ تِجاه هذه المماحكات لو لم يَجِد دِعامةً متينة في إيمان العوامِّ
البعيدين منها.
ولم تَثْبُت العقائدُ النصرانية ثباتًا حقيقيٍّا إلَّا بعد أن سُلِّمَ بسلطان البابا تسليمًا
نهائيٍّا في القرن الخامسَ عشرَ.
أَجَلْ، حاول أساقفة رومة في القرن العاشر انتحالَ حَقِّ السيطرة على الكنيسة،
ولكنهم لم يُوَفَّقُوا لهذا إلَّا في أحوال شاذة، والبابا إينُوسان الثالث وحدَه، تقريبًا، هو
الذي أباح لنفسه حِرْمَ الملوك.