فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 132

والحَمْلَة الصليبية الأولى هي التي جعلت من أولئك الأساقفة رؤساءَ للنصرانية إلى

حدٍّ ما، ولم يخضع الملوك لمثل هذه الوِصاية طويلَ زمنٍ مع ذلك، وما كانت المؤتمرات

الدينية لتقول بهذا على إطلاقه، وقاوم مؤتمر بالَ أوامرَ البابا أوُجِينَ الرابع في القرن

الخامسَ عشرَ فأعلن هذا البابا حَلَّه، فهنالك خَلَع ذلك المؤتمرُ هذا البابا مُتَوِّجًا آخرَ في

مكانه.

ونال البابوات الملوكُ في نهاية الأمر ما كانوا يَحْلُمون به منذ زمن طويل من التفرق،

فكان هذا مصيبةً على الكنيسة، فقد أسفرت مزاعم البابوات وسوء أعمال الإكليروس

عن نشوب ثورة الإصلاح الدينيِّ وعن اشتعال الحروب الدينيةِ التي خَرَّبَت أوروبة مدةَ

خمسين سنة.

وما كان يأتي به رجال الدين من الخصومات المتصلة، ومن أفانين الطمع، ومن

الازدراء الشامل - كَفَى لتسويغ قول لُوثِرَ وكالْ?ين بنَبْذ سلطان البابا، وبطرحِ العقائد

المشكوك فيها، وبالوقوف عند حدِّ نصوص الكتاب المقدس.

وثورةُ الإصلاح الدينيِّ بعد أن كانت شُؤْمًا على الكنيسة بَدَت خيرًا لها لِما اضْطُرَّت

به الكنيسة إلى تحسين حالها وتوحيد أمرها، فلَمَّا عُقِد مؤتمر ترَانْتَ الدينيُّ في سنة

1550 اعْتَرَف بسيطرة البابا الشاملة، وقَرَّر العقائدَ في أدقِّ جُزْئِيَّاتها، فتألف من مقررات

هذا المؤتمر دستور الكنيسة منذ ذلك التاريخ.

ومن عدم الحَذَر الخَطِر، بل من المستحيل، أن يُزْعم ثباتُ أيِّ دستور دينيٍّ أو

مدنيٍّ، وأن يُحَال بذلك دون تَحَوُّلِه، فلا يَعْنِي جمودُ العقائد جمودَ الأفكار.

إذَنْ، كان من العبث تصور البابوات والمؤتمرات الدينية ثباتَ الإيمان النصرانيِّ

إلى الأبد، فقد ابتعدت الروح البشرية عن هذا الإيمان شيئًا فشيئًا بما اتفق لها من

الاكتشافات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت