فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 132

يُعْتَرَض على ما تقدم، لا رَيْب، بأن كثيرًا من المعتقدات الدينية أو الخُلقية التي هي وجوهٌ

من اليقين لم تكن قطُّ من الحقائق، ولا يمكن تصنيفها في زُمْرة الحقائق، حتى المُوَقَّت

منها.

فنُجِيب عن ذلك بأن نقول: إن أدعى الأقاصيص الدينية للدَّهَش ينطوي، في الغالب،

على حقائقَ لا مِراء فيها، ويمكن قياس هذه الأخيرة بقِصَص علماء الأخلاق التي تشتمل

على حقائقَ عميقةٍ بين تَخَيُّلها، أَجَلْ، إن الذئب لا يحاور الحَمَلَ كما قَصَّ لَافونْتِن، ولكن

نتيجة تلك المحاورة في ذهن الأقوى تحتوي على حقيقة لا جِدَال فيها مع ذلك.

ومن الصحيح، أيضًا، أن يَهْوَه لم يُمْلِلْ على موسى ألواحَ الشريعة، ومما لا يَقِلُّ عن

هذا صِحَّةً، مع ذلك، أنه لولا ما اشتملت عليه هذه الألواح من الوصايا ما تَمَّ للشعب

اليهوديِّ فلاحٌ، فكان لا بدَّ من تخَيُّل يَهْوَه لمنح الوصايا العشر سلطانًا لا مُحَاجَّةَ فيه.

إذَنْ، قد تبدو الحقيقة تحت لباسٍ وهميٍّ، ولا تنفكُّ تكون حقيقة مع ذلك، فالتعاليمُ

الخُلقية والزواجرُ المختلفة التي لا يقوم بغيرها مجتمعٌ تَفْرِض سلطانَها على الناس حين

تستند إلى نفوذ الآلهة المرهوب.

ومن أفدح أغاليط العقليين المعاصرين عدمُ إدراكهم أن كثيرًا من الحقائق العقلية لا

يُرْضَى به في الغالب إلا بعد صَوْغه في قَالَبٍ غير عقليٍّ.

وإذا كان يُرفَض نَعْتُ المعتقدات الدينية والخلقية بالحقائق، مع أنها صحيحةٌ في

عيون أتباعها فإنه يجب عَدُّها من نوع الافتراضات العظيمة التي لا غُنْيَةَ للبشر عنها،

والتي يَعُدُّها العلم من الحقائق المُوَقَّتَة.

ويجب علينا تِجاه الحوادث غيرِ المُدْرَكة، كعِلَّة الأشياء الأولى وأصولِ الكَوْن والحياة

وسُنَن التطور الاجتماعيِّ ... إلخ، أن نُمْسِك عن الإيضاح أو نختلق بعض الفرضيات.

وكان لهذه الفرضيات نوعان حتى الآن، فبعض هذه الفرضيات يقضي بتدخل عزائم

موجوداتٍ علوية، وبعضها الآخر يقضي بالتَّجْرِبة والملاحظة فقط، فالثانية: هي الفرضيات

العلمية، والأولى: هي الفرضيات اللاهوتية.

وتقوم العلوم كلُّها - ومنها الرياضيات - على فرضيات، فقد بَيَّنَ هنري بوانكَارِه

الذي أَلَّفه إجابةً إلى طلبي. «العلم والفرضية» ضرورتَها في كتابه

وإنني - كمثالٍ على أهمية الفرضيات - أذكرُ مثالَ الأثير المنيع في الفيزياء ومثالَ

الذَّرَّة غيرِ المنظورة في الكيمياء، فالأثيرُ والذرة هما من القُوَى العلوية التي نعزو إليها،

مضطرين، من الخواصِّ العجيبة، المتناقضة في الغالب، ما لا بدَّ منه لتفسير الحوادث.

والعلمُ لا يَكْتَرِث لتلك المتناقضات، والعلمُ يَعْرِف، فقط، أن الفيزياء تنهار بغير

فَرْضية الأثير الضرورية، فمن المتعذر أن يُستغنى عن هذه الفرضية كما كان يتعذر

الاستغناء عن الآلهة في تفسير الكَوْن.

ويجب، إذَنْ، عَدُّ الفرضيات الدينية والخُلقية والاجتماعية من طِراز الفرضيات

العلمية، فتلك وهذه وسائلُ قويةٌ للعمل ومُحْدِثَاتٌ للحقائق، والفرضيات الدينية إذا

لم تكن صحيحةً صِحَّةَ الذَّرَّة والأثير فإنها من الضرورات اللازمة مثلهما، فبها قامت

المجتمعات والحضارات وتقدمت.

وليس بضائرٍ للعلم أن يَظهر فساد إحدى فرضياته فيما بعد ما أَدَّت هذه الفرضية

إلى بعض الاكتشافات، وليس بضائرٍ، أيضًا، أن يظهر عدمُ صِحَّة الافتراضات الدينية أو

السياسية أو الاجتماعية ذاتَ يوم ما عاشت الأمم بهذه الافتراضات التي انتحلتها وأوجبت

عظمتها، فبأهمية هذا الشأن - لا بقيمته العقلية - يجب أن يُحْكَم في أمره.

ولا يُلْتَفَت في ذلك إلى الدقائق اللاهوتية أبدًا، بل يُنْظَر إلى النتائج المادية الواضحة،

فتاريخُ إحدى الحضارات هو تاريخ فرضياتها، ومن الفرضيات خَرَج من العدم ما

نراه من الأهرام، والمعابد، والمساجد، والكنائس، وجميع العجائب التي أوجبتها عصورُ

الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت