لا تَتَكَوَّنُ الأخلاق الفردية في يوم واحد، وهي تُشْتَقُّ، كالأخلاق الجَمْعِيَّة، من ماضٍ طويل،
وتختلف باختلاف الحضارة.
وكانت الأخلاق ابتدائيةً إلى الغاية في أوائل البشرية، حتى إنها لم تَكَدْ تُوجَد في زمن
أوميرس، ومن العَمَى الغريب أن يُعَدَّ هذا الشاعرُ المجيد من كُتَّاب الأخلاق، فقد كانت
الأهواء تستحوذ على مُقَاتِلِيه فيَبْدُون فائرين على الدوام، فما كانوا لِيُحْجموا عن ضروب
الغدر والعنف والإجرام، وكانوا يمارسون، مع ذلك، من الفضائل ما هو ضروريٌّ لشروط
حياتهم كالشجاعة وحبِّ الوطن والأسُرَة والقِرَى ومخافة الآلهة.
وأهمُّ عيبٍ في مُقَاتِلِي العصر الأوُمِيرِيِّ هو عيبُ الاندفاع المُفْرِط الذي يَبْدُو في جميع
الفطريين، أي إن أولئك المقاتلين كانوا عاجزين عن مقاومة ما تُمْلِيه عليهم غرائز الزمن.
وكانت فائدة ضبط النفس تبدو واضحةً إلى الغاية فيُنْظَرُ إلى هذه الخَلَّة بعين
التقدير، وإن لم يمارسها سوى الأقَلِّين كما في زماننا، وكان أغارقة أوُمِيرُسَ يعترفون
بقيمة خَلَّة ضبط النفس اعترافًا تامٍّا، وإن لم يمارسوها قَطُّ، فقد أرادت مِينِرْ?ا أن تَمْدَح
أوليسَ حينما صادفته في إيتاك فقالت له»: إنك ذلك الزعيمُ الحَذِر وسَيِّدُ حركات نفسه «.
وإذا كانت تلك الفضيلة الخُلُقِيَّة لم تَعُمَّ إلا ببطء لدى مُعْظَم الأمم فإنها محلُّ
تقدير كبير في كلِّ مكان كما أقولُ مُكَرِّرًا، وكَأن رومانَ القرون القديمة وإنكليزَ الزمن
الحديث مُتَّفِقُونَ على ترديد قول هُورَاسَ: «أَجْمَلُ بالمرء أن يَضْبُط نفسَه من أن يجمع
لِيبْيَة وإسبانية في قَبْضَته.»
وما كانت أخلاق الآلهة في زمن أوُمِيرُس لتفوق أخلاق الآدميين، فقد كانت تبدو
ذاتَ أثَرَةٍ وحِقْدٍ وشهوة، ومن الطبيعيِّ أن كانت هذه صورةً لأخلاق عصرها.
وتلك الآلهة كانت تبدو تَوَّاقَةً إلى النُّذُور، ونَعْلَم من الأوُدِيسِه أن أوُلِيسَ وَقَفَ قِسْمًا
مُهِمٍّا من وقته على القرابين، وكان أفلاطونُ قليلَ الاحترام للآلهة الوثنية فيلومُها على
سهولة إغوائها بالعطايا، واستطاع خلفاء أفلاطون أن يَرَوْا أن المؤمنين في كلِّ جيل ومن
أيِّ دين لم يتخذوا طُرُقًا أخرى غيرَ تلك لاستمالة آلهة السماء، فالإنسانُ إذا ما كان غيرَ
خُلُقِيٍّ كانت آلهتُه على شاكلته.