فيَسْلُك صاحبُها سبيلَ الخير أو سبيلَ الشرِّ بحسب ما تسوقه الأحوال إليها.
ويَتَجَلَّى تأثير السجايا في أخلاق الأمم بمثل تأثيره في أخلاق الأفراد، فمن المعلوم
وجودُ قابلياتٍ عامَّة تُعَدُّ سجايا للعِرْق، غيرِ الصفات الفارقة الخاصَّة ببعض الناس،
كعناد الإنكليز وتَقَلُّبِ الفرنسيين وصَلَفِ الإسبان، وتختلف هذه السجايا العامة باختلاف
الأمم فَتُمْلِي سلوكًا مختلفًا في أحوال متشابهة، وهي توجب، من حيث النتيجةُ، أخلاقًا
متباينة مع أن المبادئ التي تُشْحَن بها الكُتُب واحدةٌ في كلِّ مكان.
وملاحظاتٌ كتلك تكفي لإثباتنا أن تعليم الأخلاق النظريَّ يَبْقَى، في الغالب، عاجزًا
عن التغلب على الاستعداد الطبيعيِّ، وماذا يَقْدِر عليه، مثلًا، تِجاهَ أثَرةِ الزِّنْجِيِّ وخِفَّتِه
وكَسَله وشَبَقه؟
ونرى أن البيئَة الاجتماعية، البالغة القُوَّةِ في إحداث أخلاقٍ جَمْعِيَّة تَدْعَمها القوانين،
ذاتُ تأثيرٍ ضعيف في الأخلاق الفردية.
وقوةُ الرأي وحدَها هي التي تحول دون كونها صِفْرًا في ذلك، فالإعجابُ العامُّ
ببعض الخِلال يُنَمِّي هذه الخِلال في الأشخاص المتصفين بها قليلًا.
وتُوَلِّد المعاركُ الحربية وتقديرُ الشجاعة خصائصَ فرديةً مختلفة كروح المبادرة،
وتضحيةِ المصلحة الفردية في سبيل المجتمع ... إلخ، ولا يُنْكِر دُعاة السَّلام الذين يَئِنُّون
من الحروب فيَعُدُّون الماضيَ وجهًا من وجوه الهمجية أن وقائعَ الأجداد الضَّارِيَة وملاحمَ
القرون الأولى الفاقدةَ الرحمة أَسْفَرَت عن حدوث خلال كالمبادرة والصبر والثبات ينتفع
بها الرجال المعاصرون في مشاريعهم العلمية والصناعية والتجارية، ولو كانت السِّلْم
وحدَها رائدةَ الأجداد لأدَّتْ إلى ضروبٍ من الأثَرَةِ لا تقوم بها أية حضارة.