بَيَّنَّا كيف نشأت النصرانية وكيف تَحَوَّلَت، فبَقِيَ علينا أن نشير إلى الصورة التي انتشرت
بها، ولم يُعْنَ المؤرخون بهذه المسألة المهمة مع أنها ظاهرةٌ نفسية عظيمة جِدٍّا.
وفي كتابٍ سابق أسهبتُ في بيان انتشار الآراء والمعتقدات مستقلةً عن كلِّ عامل
عقليٍّ، أي بفعل التكرار والتوكيد والعدوى والنفوذ، ولا أعود إلى هذا الموضوع فأقتصر
على ذكر بعض الأسباب التي سَهَّلَت أمر انتشار النصرانية.
لو ظَهَرَت النصرانية بما عليه اليوم من العقائد الغريبة واللاهوتية المُعَقَّدة ما
أصابت غيرَ نجاح زهيد على الأرجح، فالجموعُ تعيش بالآمال، لا بمبادئ ما بعد الطبيعة.
جاء الدين النصرانيُّ الجديد بآمال واسعة، فقد وَعَدَ الضعفاءَ والمحرومين واليائسين
من هذه الحياة الدنيا بجنةٍ ذاتِ نعيم أبديٍّ حيث يتساوى الفقير والغنيُّ، وحيث لا ينال
أقوياء الدنيا أكثرَ مما يناله أحقر البائسين من الامتيازات، ولا غَرْوَ، فالاشتراكية تهيمن
على الجموع مع أنها دون النصرانية وعودًا في الوقت الحاضر، ولا غَرْوَ، فَرُؤْيا السعادة
تجتذب النفوس على الدوام.
وتَمَّ النصر للدين النصرانيِّ منذ لاحت تلك الحياة السعيدة أمرًا يقينيٍّا، فتَحَوَّل
العالَم.
ومن الممكن أن يُلَاحَظ أن العيش في حياة آخرة مشتملة على جهنمَ والجنةِ مما قال
به أكثرُ الأديان القديمة، كأديان مصرَ وفارسَ على الخصوص، ولكن هذا كان على وجه
مُبْهَم، ومما ذكرناه أن مملكة الأموات كانت تبدو في زمن أوميرسَ مقامًا غيرَ مرغوب فيه
كثيرًا.
والنصرانيةُ، حين فتحت للنفوس أملَ السعادة الأبدية، كان أولَ ما أسفرت عنه
تحويلُ هَدَف الحياة، فبينما كانت الحياة الدنيوية أهمَّ ما يُعْنَى به الإغريقُ والرومان
صارت الحياةُ الآخرة الغايةَ الوحيدة لآمال النصرانيِّ، والنصرانيُّ إذ كان يَعُدُّ الدنيا مَمَرٍّا
للحياة السماوية مَلَكَت السعادةُ الأبدية أفكارَه، والنصرانيُّ، لكي ينالَ هذه السعادة
ويجتنبَ جهنمَ، رَضِيَ بأسوأ زُهْدٍ: رَضِيَ بالفقر وبالرَّهْبَانِيَّة، وبالشهادة أيضًا.
وليست نصرانيةُ القرون الوسطى عُنْوَان الوَحْدة لدى علماء اللاهوت، ووَجَدَت هذه
النصرانيةُ ما نَشَدَتْه من الوَحْدة في نفوس الشعب التي اهتدت بمنارتين عظيمتين: بالأمل
في السماء، وبالخوف من جهنم.
وإذا عَدَوْتَ ذينك الأمرين الجوهريين رأيتَ الشعب قد حافظ على نفسيته الوثنية،
فأسماءُ الآلهة المُسِنَّة وحدَها هي التي تَغَيَّرَت، فالشعبُ أخذ يَعْبُد الثالوثَ الجديد بعد أن
كان يَعْبُد ثالوثَ الكاپيتولَ المؤلفَ من جُوپِيتِر وجُونونَ ومِنِير?ا، وحلَّ القِدِّيسُون محلَّ
جميع الآلهة الثانوية القديمة، وتحولت حيواناتُ الغابات وعرائسُها إلى غيلان وشياطين،
وقام السَّحَرة مقامَ العَرَّافين.
وينطوي كلُّ دين على وجهين كما قلنا: ينطوي على ما يقول به علماء اللاهوت
والمُثَقَّفون من المبادئ وعلى ما يعتنقه الشعب، ولا ينتشر الدين، إذَنْ، بجهَازٍ واحد في
مختلف طبقات المجتمع.
أَجَلْ، يكون للعَدْوَى النفسية والتلقين بالغُ الأثَر في كلتا الحالتين، بَيْدَ أن وسائلَ
عملٍ كهذه لا تكفي لإقناع الطبقات المُثَقَّفَة.
رأَيْنَا الوجه الذي انتشرت به النصرانية بين الجماهير، وسنحاول الآن بيان الوجه
الذي انتشرت به في طبقات العالَم الرومانيِّ المُنَوَّرة.