فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 132

ولم يطرأْ تغييرٌ بتعاقب القرون على الوجه الذي تنظر به الأممُ إلى آلهتها، ومَدَى ما

تَعْزوه الأمم إلى هذه الآلهة من القدرة هو الذي تَبَدَّل قليلًا.

وظَلَّتْ تلك القدرةُ محدودةً زمنًا طويلًا، حتى إنه كان يَعْلو جُوپيتِرَ، حينما أضحى

ملِكَ السماء، سيدٌ حافل بالأسرار، أي كان يَعْلوه القدرُ.

وأما الآلهة العادية فكانت تدنو من الناس بالأنكحة، فعُدَّ أشيل ابنًا للإلهة تيتيس،

وعُدَّت ?ينوس والدةً لابنِه ... إلخ.

وتشير أقاصيص أوميرسَ إلى حدود القدرة التي كان الإنسان يعزوها إلى آلهته آنئذ،

فالإنسانُ - وإن كان يخشاها كثيرًا ويَضْرَع إليها في الغالب - كان يَجْرُؤ على مقاتلتها

في بعض الأحيان، ومن ذلك أن دِيُومِيد جَرَح ?ينُوسَ، في أثناء حصار تِرْوَادَه، بسهمٍ

وأكثر من تهديدها، وأنه ضرب الإله مَارْس عندما أراد الانتقامَ لها منه، وفي إبَّان ذلك

الحِصار الشهير كانت الآلهة تتدخل في المعارك كلَّ يوم، ويحيط نِپْتُونُ ابنَ دَنْشِيزَ بِغَمَامٍ

حِفْظًا له من ضَرَبَات أَشيل، ويصنع أَپُولُون مثلَ هذا في أمر هِكْتُور، ويَشْعُر جونون

بعجزه تِجاه إله النهر سِكَامَنْدِر الذي أراد إهلاك أشيل فيطلب حماية فولْكَن، فلم يُوَفَّق

هذا لِما طُلِبَ منه إلا بإِحداثه حريقًا هائلًا تقهقر النهر أمامه.

وإذا ما نظرنا إلى القصة التي عزاها ?يرْجيل إلى ابنِه، فلم تكن غيرَ انعكاس ٍلخواطرِ

ذلك الزمن بحكم الطبيعة، وَجَدْنا أنه كان لا بدَّ من مساعدة نِپْتُون وجونون وپالَّاس

للقضاء على مقاومة أهل تِرْوَادَه، وكانت تلك المساعدة ماديةً جِدٍّا لِما حدث من زعزعة

أسوار تِرْوَادَه بِخُطَّاف 1 نِپْتُون المثلوث النَّصْل.

ويظهر أن الأخْيِلة الأوميريةَ تبدلت قليلًا في غُضُون الأجيال، ففي عصر أغُسطس لم

يُؤْمِن الناس كثيرًا بتدخل الآلهة في سَيْر الكَوْن وإن كانوا يَخْشَونها.

قال هوراس»: أَعْرِفُ أن الآلهة تعيش هادئة، فإذا ما صَدَر عن الطبيعة بعضُ

العجائب لم تُكَلِّف الآلهةُ نفسَها ببسط يدها «.

ومن ثَمَّ ترى أن الطبيعة كانت تُعَدُّ في ذلك الحين كَوْنًا حافلًا بالأسرار يُسْتعان به

على إيضاح الأسرار.

ولم يكن المبدأ القائل بقدرة الآلهة المحدودة خاصٍّا بالعالم اليوناني الروماني، فمثلُ

هذا المبدأ تُبْصِره في جميع دِيانات الهند، فتراه في حماسياتها الكبرى، حتى في أبسط

رواياتها كرواية شَكن تَلا حيث خَفَّت الآلهة إلى مساعدة بعض الناس.

وكان المعتقدُ القائل بآلهة ذات قدرة محدودة، والمناقضُ للمبدأ القائل بإلهٍ شامل

ذي سلطان مطلق كالإله الذي بَدَا فيما بعد، نتيجةً واجبة لتَعَدُّد الآلهة، فما كان لأيٍّ من

هذه الآلهة نفوذٌ مماثل لنفوذ بقيتها كما هو واضح، فكنتَ تَرَى تحت الثالوث المؤلف

من أقوى الآلهة: جُوپيتِر وجونون ومِنِير?ا، والمعبودِ في الكاپيتول الرومانيِّ، آلهةً صغيرة

ذات قدرة ضيقة.

وكانت تلك الآلهةُ التي لا يُحْصِيها عَدٌّ متفقةً على الدوام، ولم يَدُر في خَلَد أحدٍ من

آدَمِيِّي ذلك الزمن القديم أن يضطهد عبادَها، وكان يَسْهُل على قاهري الأمم المغلوبة

المجاورة أن يَعْبُدوا آلهةَ هذه الأمم، فنُسِجَت حول آلهة الإغريق والقرطاجيين والمصريين

إلخ، الأقاصيصُ وأدُخِلَت إلى حظيرة الدين القومي، فوُحِّد البَعْلُ الپُونِيُّ) القرطاجيُّ (

مع ساتُورن، ووُحِّدَت دِيانا مع أرْتِيمِيس، ووُحِّدَت جُونونُ مع إيزِس وتانِيت ووُحِّدَت

فينوسُ مع عَشْتَار القَرْطَاجِيَّة ... إلخ.

فبمثل تلك الوسيلة انتشرت الآلهة الرومانية في الولايات الخاضعة لرومة، واختلطت

أو امتزجت بالآلهة المحلية، والنصارى وحدَهم هم الذين شَذُّوا عن ذلك بعد زمن، فلم

يكن النصارى لِيَحْنُوا ظهورَهم أمام آلهةٍ تَعُدُّها كتبهم من العفاريت، وجحودُ النصارى

هذا غدا مصدرًا لتلك الاضطهادات التي عُدَّت دينيةً زمنًا طويلًا مع أنها سياسية صِرْفَة،

أَجَلْ، إن رومة كانت تقول بجميع الآلهة، ولكنها كانت تطالب عُمَّالَها وضباطها باحترام

آلهتها القومية وقيصرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت