(1) يكون الأسلوب الغامض في الفلسفة وفي معظم الموضوعات وليد الفكر الغامض
في الغالب، وقد يكون الغموض، على استثناء، نتيجة جدة المذهب، وهذا ما أصاب مسيو
برغسن في بيانه في كتاب تفضل بإرساله إلي حول هذا الموضوع فأقتطف منه ما يأتي:
وأما حول ما أبديتموه في كتابكم الأخير، وفي الكتاب الذي قبله، من الملاحظات
عن الوضوح في موضوع الفلسفة فاسمحوا لي بأن أقول لكم: إن المبدأ الفلسفي
الذي يفهم أول وهلة هو المبدأ الذي كان يخامر النفوس سابقًا، أو الذي هو
مجموع أفكار موجودة قبلًا، فمطالبة الفيلسوف بهذا النوع من الوضوح
تعني افتراضًا بأن جميع عناصر الحقيقة الفلسفية كانت موجودة في نفوسنا،
وبأن الفلسفة عاجزة عن التقدم، وعندي أن على الفلسفة أن تتقدم كثيرًا ما
دام كل تقدم حقيقي وليد أفكار جديدة مثيرة لمعضلات سابقة فتقتضي من
القارئ لهذا السبب كبير مجهود وتبدو له ذات طابع إبهام، ولكن القارئ إذا
ما أوغل في الفكر الجديد بدت له الأفكار القديمة مبهمة؛ وذلك لأنها تسير
بالقارئ إلى مصاعب يقدر الفكر الجديد، عند وجوده، على حلها، ولا ترى فكرًا
نظريٍّا مهمٍّا واحدًا يبدو اليوم واضحًا لم يكن مبهمًا في الأصل، فلا ينبغي أن
تقاس قيمة الفكر الفلسفي في سهولته التي تدرك أول وهلة، بل في قدرته
على حل المعضلات وفي اتضاحه بالتدريج من تلقاء نفسه. وللاعتراضات التي
توجه إلى المذهب الفلسفي باسم الوضوح المباشر نفس المصدر الذي وجه
إليكم في موضوع الفيزياء، وهذا المصدر هو المبدأ أو المعتقد (الملائم لروحنا)
القائل بحيازتنا لجوهر الحقيقة، وبأن كل تجديد لا يكون سائغًا إلا إذا كان
وجهًا من وجوه المباحث المعروفة لدينا مقدمًا.