الدِّيانةُ هي أهمُّ أسُُس الأخلاق المَعْزُوَّة، وكثيرٌ من الناس في الوقت الحاضر يَعُدُّون الدِّيانة
النَّاظِمَ الرئيسَ للسلوك.
وقَلَّمَا كانت الديانات القديمة تُعْنَى بالتعاليم الخُلُقِيَّة، وكان سلوك الناس فيما
بينهم يَدَعُ الآلهةَ غيرَ مكترثة، وكان أمرُ مصرَ شاذٍّا من هذه الناحية مع ذلك، فأعمالُ
الأحياء في مصر كانت تُوزَنُ بعد مماتهم بدِقَّة، فيُذَكِّرُنا حُكم أوُزِبرِس بيوم الفصل لدى
النصارى.
وتشتمل كتب اليهود الدينية على تعاليمَ خُلقية أيضًا، وذلك مع شيء من البساطة،
وذلك لتلخيصها في الوصايا العَشْر الموجزةِ التي عُبِّرَ بها عن مناحي أناسٍ تَأَلَّفَ منهم
مجتمع.
وبانتصار النصرانية فقط زَعَمَ هذا الدينُ أنه صاغ قواعدَ الأخلاق الوثيقة فسيطر
على حياة الناس في جُزْئِيَّاتها، ومما ذكرناه آنفًا أن النصرانية أَسْفَرَت عن تحويل مقياس
القِيم البشرية وتغيير هَدَف الحياة، ففي الحياة الآخرة يجب أن يُبْحَث عن السعادة حيث
تكون أبدية، لا في هذه الحياة الدنيا حيث تكون السعادةُ زائلةً بحكم الطبيعة.
وبَدَت صَرَامة التعاليم الدينية وقَسْوَةُ إنذاراتها وعظمةُ ثوابِها ملائمةً لنفسية شِبَاه
البرابرة الذين كانوا يسيرون وراء اندفاعاتهم فكان يجب أن يُؤَثَّر فيهم بعُنْف، ففي
عصور الإيمان كان للأمل في الجنة والخوفِ من جهنم أنفعُ دعائمَ للأخلاق، وأعانت
مُؤَيِّدَات الحياة الآخرة ووعودُها على تمدين غُزَاة أوروبة بعض التمدين بعد انهيار الدولة
الرومانية، فكان لذلك من النفوذ فيهم ما لم يكن لآلهة الوثنية المذبذبة الخَلِيَّة.
ولا تزال الصِّلَةُ بين الأخلاق والدِّيانة في النصرانية تَحْمِلُ كثيرًا من الناس على
الاعتقاد بإمكان قيام الأخلاق على الدين فقط، ومصدرُ هذا الخطأ الذي لا يزال شائعًا هو
الخَلْط بين الشعور الدينيِّ والشعور الخلقيِّ على العموم، مع أنهما مختلفان منشأً، وإن
أَثَّرَ أحدُهما في الآخر، أي إن كلٍّا منهما ملائمٌ لاحتياجاتٍ في النفس مخالفةٍ لاحتياجاتٍ
أخرى فيها.
فالحقُّ أن الشعور الدينيَّ هو وجه من الروح الدينية في الإنسان، وأن الشعور
الخُلُقيَّ هو ملاءمةٌ لمقتضيات البِيئة، والمنطقُ الدينيُّ هو الذي يهيمن على الدِّيانة،
والمنطقُ العاطفيُّ هو الذي يهيمن على الأخلاق.
إذَنْ، ليس للشعور الدينيِّ، الذي هو مظهر من مظاهر الروح الدينية التي أبَنْتُ
عُمُومِيَّتَها وقُوَّتَها، أيةُ صلة بالأخلاق التي هي من مصدر عاطفيٍّ، والروحُ الدينية لا
تُحْدِث الأديان فقط، بَلْ تُحْدِث، أيضًا، الروحانيةَ والمعتقدَ ذا الصِّيَغ السياسية وذا
المعجزات، والمظاهرَ الأخرى الغريبةَ كثيرًا عن الأخلاق.
وبتلك الفروق بين الشعور الدينيِّ والشعور الخُلقيِّ يُفَسَّر السبب في أن بعض
الأفراد أو الشعوب قد يكون مُتَدَيِّنًا إلى الغاية على حين يكون ذا أخلاق ضعيفة، شأنُ
أشدِّ شعوب أوروبة تَدَيُّنًا وأقلِّها أخلاقًا كالروس والإسبان، وسكانُ نِيپَالَ هم أقلُّ من
شاهدتهم في رحلاتي أخلاقًا، ونِيپَالُ، مع ذلك، أكثرُ بِقَاع الأرض احتواءً لمعابدَ خاصَّةٍ
بعبادة الآلهة.
ومن العلماء الكثيري التدين، كَمَكْس مُولِّر، مَن اتَّخَذوا البُدَّهِيَّةَ) البوذية (دليلًا على
استقلال الأخلاق عن الدين، فقد قال مَكْس مُولِّر:
دَعَا إلى الأخلاق الفاضلة - قبل ظهور المسيح - أناسٌ اعتقدوا أن الآلهة
أشباحٌ باطلة فلم يُقِيموا هيكلًا حتى للربِّ غيرِ المعروف.
ولا أرى أن يُسْهَب في إيضاح ذلك المثل، فالبُدَّهِيَّة هي، بالحقيقة، دِيانةٌ بلا آلهة
عند مؤسسيها، ولكنني بَيَّنْت في فصل آخر أن البُدَّهِيَّة أثُقِلَت بآلهة كثيرة حين نفوذها
في الروح الشعبية.