فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 132

والدِّيانةُ والأخلاق - وإن كانتا من أصليْن مستقليْن - يمكن أوُلاهما، كما قلنا، أن

تُؤَثِّر في الأخرى في أدوار الإيمان، وذلك بطريق الخوف من العقاب والطمعِ في الثواب،

فهنالك يكون تأثير ما في الدساتير الدينية من الوعيد كتأثير الدساتير المدنية.

ويجب أَلَّا يُعْتَمد كثيرًا على نفوذ الأديان مع ذلك، فالشخصُ الذي يكون مُتَدَيِّنًا

عاطلًا من الأخلاق في آن واحد يُوَفِّق، في الحقيقة، بين إيمانه وغرائزه السَّيِّئة، طالبًا

العَوْن من السماء، أحيانًا، لإتمام مُنْكَراته، وغيرُ قليلٍ عددُ الأتقياء الذين ساروا على غِرَار

لويس الحادي عشر فوَعَدوا العذراءَ والأولياءَ بثمين الهدايا نَيْلًا لعَوْن هؤلاء في أمور غير

مُسْتَحَبَّة.

ونُوَكِّد أمر استقلال الدين عن الأخلاق فنقول: إن علماء الحقوق الجزائية أبصروا،

منذ طويلِ زمنٍ، وجودَ جُنَاةٍ قُسَاة أتقياءَ معًا، فمزاجُ هؤلاء النفسيُّ مماثلٌ لنفسية أولئك

اللصوص الإسبان الذين يَشْحَذُون خناجرَهم وهم يستمعون إلى بعض الأدْعِيَة حول

هيكل بعض القِدِّيسين طمعًا في نَيْل عَوْنهم، وأتُِيح لي أن أزور في نو?ي تارْغ الواقعةِ

في جبال تَتْرَة كنيسةً صغيرة أقامها، على ما يُرْوَى، لصوصٌ لمريمَ العذراء شُكْرًا؛ وذلك

لحمايتها إياهم في أثناء مغازيهم.

وعلى ما تراه من عدم رؤية مُعْظم المفكرين للْفَرْق العميق بين الروح الدينية والروح

الخُلقية أَبْصَر بعض هؤلاء إمكانَ قيام مجتمعٍ بلا دين، ومن هؤلاء بُوسُويِه حيث قال:

إن الأحرى أن يُحَافَظ على الدين أكثرَ من المحافظة على الممالك حِفْظًا لطَيِّب

الأعمال ونجاةً للنفوس، ويمكن المجتمعاتِ المدنيةَ، مع ذلك، أن تَبْقَى وأن تقوم

حتى في طَوْر من الكمال عند افتراض اضمحلال الدين الحقِّ.1

وعلى ما للدِّيانة والأخلاق من مصادرَ مختلفةٍ يمكن إحداهما أن تُؤَثِّر في الأخرى

عندما يكون الإيمان قويٍّا، ولكن هذا التأثير ظاهريٌّ أكثر من أن يكون حقيقيٍّا.

والوهمُ فيما للدين من تأثير في الأخلاق ينشأ عادةً عما يُعْزَى إلى الدين من الأعمال

الناشئة عن مزاج الشعوب النفسيِّ، وهذا ما يقع عندما يُعَبِّر الدين عن سجايا العرق

التي هي أركان سلوكٍ أقومُ مما في الكُتُب من التعاليم، ومن ذلك أن زُهْد بعض الإنكليز

وعُنْفَهم، مثلًا، أَثَّرَا في المعتقدات اللاهوتية أكثرَ من أن تُؤثِّر هذه المعتقدات فيهما، وأن

اقتراف الإثم والخوفَ من جهنم وإن ظهرا عنصرًا للپيُورِيتَانِيَّة، نشأت الپيوريتانية عن

مزاج أتباعها النفسيِّ على الخصوص ما ظَلَّتْ حَيَّةً بعد تلاشي إيمانهم، وأن الپيوريتانية

تَحَوَّلَت من ظاهرة دينية إلى ظاهرة اجتماعية، فلا يكادُ المَسْرَح الإنكليزيُّ والقصةُ

الإنكليزية يتكلمان عن العِشْق بفعل الپيوريتانية، وأن بَيْع بعض الكتب الفرنسية، ومنها

المعتدلة، قد حُظِر بفعلها أيضًا، وأن كثيرًا من الإنكليز، ومنهم أحرارُ الفكر، ومنهم

پروتستانٌ أحرار، يحافظون على أخلاقٍ پيوريتانية ولو في الظاهر على الأقل، فلا يوجد،

كما قلتُ، أخلاقٌ دينية، بل أخلاقٌ عِرْقِيَّة، وليس الدين إلا ذريعةً إلى ذلك.

والأممُ إذ إنها مختلفةٌ أخلاقًا فإن الأديان تُؤَثِّر فيها تأثيرًا متفاوتًا، فعلى ما كان من

سَوْم الإسبانِ بمظالم التفتيش وتحريقهم في المواقد عِدَّةَ قرون لم يكتسبوا تلك الأخلاقَ

الرَّضِيَّة المُضَادَّة لِلَّهْوِ، والتي هي من نِتاج الشعب الإنكليزيِّ في الحقيقة.

وكلُّ ما يقال بِوثُوقٍ في أمر الأخلاق ذاتِ الأساس الدينيِّ هو أن لهذه الأخلاق قُوَّةَ

العادات التقليدية التي يدوم عملها حتى عند عجز العقل عن الدفاع عنها، فللأمم، إذَنْ،

كلُّ الحقِّ في المحافظة على آلهتها التي آلَتْ إليها من الأجداد.

ويُفَسِّر النفوذ الذي يكون للأخلاق التقليدية السببَ في أن بعض الأمم، كالإنكليز

والأمريكيين، لا يَأْلُو جُهْدًا في المحافظة على العقائد القديمة حين يسعى في جعلها عصريةً

قليلًا، ومما رأيناه أن كثيرًا من المذاهب النصرانية عَدَل عن عَزْوِ أصلٍ إلهيٍّ إلى مُؤَسِّس

النصرانية؛ وذلك لتلائم العقائدُ مناحِيَ النقد العلميِّ، ورأى بعض المذاهب اجتنابَ الجَدَل

فذهب إلى المحافظة على الأسْطُورَة الدينية ناظرًا إلى فائدة الدين دون صحته، فعلى هذا

الرأي مذهبُ الذرائع الذي تكلمنا عنه آنفًا، والذي سنعود إليه عَمَّا قليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت