إن التطور الذي جعل من الپروتستانية مذهبًا شِبْهَ عقليٍّ هو نتيجةٌ مفاجئةٌ غيرُ مباشرة
للإصلاح الدينيِّ الذي بَشَّرَ به لُوثِرُ في القرن السادسَ عشرَ.
ولم يكن الإصلاح الدينيُّ حركةً عقليةً تَهْدِف إلى تحرير الفكر البشريِّ من النِّير
الدينيِّ، وذلك خلافًا لِما يُرَدَّدُ في الغالب.
حقٍّا يمكن أن يَحِلَّ دينٌ اعتقاديٌّ محلَّ دين آخر كما يُوَفَّق له بعض المصلحين،
ولكن البحث العقليَّ لا يلائم - على الدوام - المعتقداتِ غيرَ العقلية التي تنتشر بالعَدْوَى
النفسية والتلقين والنفوذ، وما إلى ذلك من الوسائل حيث تَجِد للعقل نصيبًا.
وكانت غاية لُوثِرَ الرَّجْعِيَّةُ هي أن يَحْذِف من علم اللاهوت جميعَ المُؤَثِّرَات العقلية،
فكان يقول: إن من لوازم الإيمان أن يَنْصَرِف عن البحث في سبب الأشياء، فعلى المرءِ أن
يَطْمَع في الإيمان أكثر مما في الفهم، وأن يجعل من الإيمان هَمَّه الوحيدَ، ولا شيءَ أصوبُ
من الإيمان، وكلامُ لله - كما صِيغ في الكتاب المقدس - يكفي، والدستورُ الخُلُقِيُّ يقوم
على الطاعة، وبهذا وحدَه يُبْلَغ ملكوت لله.
وهنالك أسبابٌ معروضة في هذا الكتاب أوجبت سلوك بعض المذاهب الپروتستانية
سبيلَ حرية الفكر، بَيْدَ أن مثل هذا التطور لم يَدُرْ في خَلَد لُوثِرَ ولا كالْ?ِين اللذَيْن يجب
أن يوصفا بالرَّجْعِيَّة، فقد أرادا العَوْدَةَ إلى تعاليم الكتاب المقدس، أي إلى الكتاب الذي
كان قد بَلَغ من القِدَم خمسةَ عشرَ قرنًا.
ولُوثِرُ وكالْفينُ إذ نَبَذا سلطان الكنيسة اضْطُرَّا إلى ترك المؤمنين يُفَسِّرون الكتاب
المقدس كما يشاءون، فأدى هذا إلى حرية الفكر فيما بعد، وذلك عندما قُرِئَت الكتب
المقدسة بعيون العلم لا بعيون الإيمان، والكتابُ المقدس إذ فُسِّر غدا لا يكون موضعَ
إيمان، فهذه نتيجةٌ لم يُبْصِرها لُوثِرُ قَطُّ؛ وذلك لأن مبدأ الإنكار، عند لُوثِرَ، تجديفٌ
فظيع، 2 وأما كالفينُ فكان يتذرع بضروب العذاب لِخَنْق مثلِ ذلك الزعم عند صَوْغه.
وكان تطور الپروتستانية نحوَ إنكار ألوهية يسوع بطيئًا، وما كان هذا التطور
لِيَعُمَّ، وعِلَّةُ هذا أن الدِّيانة القديمة اضْطُرَّت عند انحلالها إلى ملاءَمة مختلف الأمزجة
النفسية، فطَرَحَت مذاهبُ الپروتستانية الحرةُ وحدَها مبدأَ ألوهية يسوع جانبًا، ويقول
الپروتستان الأرثودوكس - على العكس من ذلك - بألوهية يسوع، فترى الكنيسة
الأنغليكانية، على الخصوص، محافظةً على كثير من عقائد الكاثوليكية وطقوسها.
ومع تباعد الكاثوليك والپروتستان وتقاربهِما تُبْصِرُ اختلافًا بينهما في عاداتهما
الروحية على الخصوص، فالكاثوليكيُّ يُسَلِّم دفعةً واحدة بقانون الإيمان الذي فرضته
الكنيسة، على حين يذهب الپروتستانيُّ إلى تحليل ما يَبْحَث عنه من المعتقد في تضاعيفِ
مُبْهَماتِ الكتاب المقدس، والكاثوليكيُّ يرى الاعتراف ماحيًا لجميع الذنوب على حين يرى
الپروتستانيُّ عَكسَ ذلك، وهذا إلى أن دين الپروتستانيِّ باطنيٌّ فلا يَشْعُر - خلافًا
للكاثوليكيِّ - بحافز إلى إبدائه بالاحتفالات الفخمة والرموز.
وإذا كان وجها النصرانية - أي الكاثوليكية والپروتستانية - يختلفان اختلافًا
جَلِيٍّا فلملاءَمتهما آمالَ شعوبٍ مختلفة، فلولا الإصلاح الدينيُّ لعَدَّلَت شعوبُ الشمال
إيمانَها القديم من تلقاء نفسها على ما يحتمل، وذلك مع محافظة شعوب الجَنُوب عليه،
فالعقائدُ المفروضة تُغْنِي عن التأمل، والاحتفالاتُ الرائعة تَسْحَر ذوي الإحساس الحيِّ
الذين لا يبالون بإعمال العقل إلا قليلًا.
وما قلناه عن الذهنية الپروتستانية التي هي وليدةُ احتياجِ المرء إلى تفسير الكتاب
المقدس بنفسه يُطَبَّق على الأحرار وصحيحي الإيمان أيضًا، غير أن الأحرار وحدَهم صاغُوا
من الإنكار ما يَدْنُون به من حرية الفكر أو من الاعتقاد بالله مع إنكار الوحي على الأقل.