وتلك الإنكارات، التي تَصْدُر عن ذوي النفوس النَّيِّرَة كَعَمِيدِي كليات اللاهوت
والأساتذة ... إلخ، ذاتُ تَطَرُّفٍ، ومن ذلك تصريحُ عميد كلية اللاهوت الپروتستانيِّ
بباريسَ السابقِ، مسيو مينيغوز، «بأنه تَخَلَّص من جميع الأساطير الكَنَسِيَّة» ،ومما قاله
هذا العميد أعتقد: «إنك لا تَجِد إسرائيليٍّا يَعُدُّ المسيحَ تَجَسُّدًا لِيَهْوَه» ، ثم قال مستنتجًا:
«أنه لا أثرَ لعقيدة تأليه يسوعَ في العهد القديم أو العهد الجديد.»
وتَفَضَّل عميد كلية اللاهوت الپروتستانيُّ بباريسَ الحاضرُ، مسيو إدوارد ?وشِيه،
فأتحفني بمعارفَ ذاتِ قيمةٍ عن نشوء الپروتستانية الحرة.
فاعْلَمْ أن الشكَّ في ألوهية يسوع يَرْجِع إلى أوائل القرن السابعَ عشرَ، ولكنه لم ينتشر
إلا ببطء، وبدأت هذه الحركة في إنكلترة فامتدت منها بالتدريج إلى هولندة وألمانية، وفي
ألمانية كانت الغَلَبة للمذهب القديم أو للمذهب الحرِّ بحسب الأحوال.
ولا يَسْهُل تَبَيُّن تطور الپروتستانية نحو حرية الفكر من الكتب، ففي الكتب يُجْتَنَب
صَوْغ إنكاراتٍ جافية جِدٍّا، ويُعْرَض يسوعُ في رسائل ذلك المذهب الاعتقادية القديمة
رجلًا مُوحًى إليه من ا لله، ثم تنساب كتب الدين في هذا الموضوع فَتُبْدِي يسوعَ ابنً ا لله
كجميع الناس، ولا ترى غير اللَّاثَالُوثِيِّين من يُصِرُّون على إنكار ألوهية يسوع.
وتختلف مبادئ مختلف المذاهب الپروتستانية باختلاف البلدان فضلًا عن ذلك،
وهذه المذاهب كثيرة إلى الغاية، فنجد ما يزيد على مائتين منها في أمريكة وحدَها، ويقوم
قسم كبير من تاريخ الكنائس الپروتستانية، منذ سنة 1750، على حركةٍ تَتَرَجَّح الأفكار
الحرة فيها بين جذْرٍ ومَدٍّ كما كَتَب إليَّ مسيو فوشِيه، وهي الآن في طريق التقدم بالولايات
المتحدة وإنكلترة.
وفي فصل سابق بَيَّنْت ما يعانيه الدين من التحول العميق عند انتقاله من حظيرة
علماء اللاهوت ورجال الأدب إلى الطبقات الشعبية، ومما ذكرتُه أن مُنْكِر الآلهةِ بُدَّهَةَ
(بوذا) لم يُعَتِّم أن صار إلهًا لدى الجماهير، فمن المستحيل أن نذهب إلى خُلُوِّ المعتقد
الشعبيِّ من روح التدين، وليست الپروتستانيةُ الموصوفة بالحُرَّة إلَّا مذهبًا للمُثَقَّفِين على
الخصوص، فأشكُّ في نفوذها نفوسَ المؤمنين نفوذًا كبيرًا، حتى إن هؤلاء المؤمنين لم
يسمعوا بها في الغالب.