الفصل الخامس
كيف تنحل الديانات الكبرى
جميعُ الأديان الكبرى القائلةُ بالتوحيد، كالإسلام والنصرانية، والبُدَّهِيَّة (البوذية) على
الخصوص، حافلةٌ بالانفصالات والإلحادات التي كانت عاملَ تطورٍ لها أو عاملَ أفولٍ لها
في بعض الأحيان.
ويجب أن يُبْحَث عن العِلَّةِ الرئيسة لذلك في اختلاف الأمزجة النفسية، وفي الضرورات
الاجتماعية لدى المؤمنين الخاضعين لدينٍ واحد، وفي الاحتياج إلى البَرْهَنة.
ويُعْتَنَقُ الدين في بدء الأمر جملةً واحدة بفعل العَدْوَى النفسية من غير أن يتدخل
أيُّ نفوذ دينيٍّ في ذلك، ولكن انتحال دينٍ لا يَعْنِي إضاعةَ الرغبة في البَرْهَنَة، فيَجِدُ المؤمن،
على الدوام، ناحيةً ثانوية تتطلب تفسيراتٍ جديدةً، والمؤمنُ إذا ما كان حائزًا مزاجَ رسولٍ
أذاع هذه التفسيراتِ فظهر في الحال انفصالٌ أو إلحاد.
والانفصالاتُ والإلحاداتُ كثيرةٌ في تاريخ النصرانية، وهي تدور حَوْلَ موضوعاتٍ
متنوعة كثيرًا، فهل مريمُ أمُّ يسوعَ فقط، لا أمُّ لله، كما ادَّعى نسطور؟ وكيف تُفَسَّر
دَيْنُونَةُ النوع البشريِّ بمعصية آدم وحدَه؟ إلخ.
وكان من نتائج مُعْظم هذه الانفصالات والإلحادات حدوثُ ملاحمَ واسعةِ النِّطاق،
ومن ذلك أن البابا إينوسان الثالث أراد أن يقنع الكاتَار (المُطَهَّرِين) بأن إله العهد القديم
ليس بالشيطان، فأرسل إليهم في سنة 1208 حَمْلَةً صليبية أسفرت عن تخريب جَنُوب
فرنسة، وتدميرِ أنضرِ المُدُن كمدينة بِيزِيه ومدينة قَرْقَشُونَة على الخصوص، ووجب،
أيضًا، قتلُ ألوفٍ من الناس لدلالة المؤمنين على أن مصدر روح القُدُس هو الأبُ والابنُ
معًا، لا الأبُ وحدَه، وأنه لا ينبغي أن تقوم المَعْمُودِيَّة على الغَطْس الكُلِّيِّ، وأن تَنَاوُلَ
القربان يتطلب خُبْزًا فَطِيرًا، لا خبزًا خَمِيرًا، وأن التصليب يجب أن يكون بِإِصْبَع واحدة
لا بإصبعين ... إلخ.
وكانت النفوس تُقْتل بنسبة خَطَر موضوعات الجِدال، فلما أَعْلَن مُنْكِرُو وجوبِ
تَعْمِيد الأطفال ضرورةَ تعميد الأولاد مُجَدَّدًا بعد البلوغ بدا هذا الادعاء، الذي يلوح لنا
تَفَهُه في الوقت الحاضر، أمرًا هائلًا فأَدَّى إلى حرب ضَرُوس أبُيدَ فيها 150000 خارجيٍّ
بلا رحمة.
ولم تكن الحياة البشرية ذاتَ قيمةٍ لدى حُمَاة الإيمان، ولم تكن الضَّرَاوة عندهم
سوى فضيلة تستلزم المكافأة، والحقُّ أن المؤمنين الحقيقيين حاقدون على الدوام، فحينما
حَرَّق تُرْكُمَادَا ستة آلاف شخصٍ طلب قَلَنْسُوَةَ كردينال تقديرًا لحَمِيَّته.
وتكون الانفصالاتُ والإلحادات آيةَ الوَجْدِ والنَّوْبَات الحَادة في الغالب، ومن هذا
ما كان من إلحاد پروتستان سِي?ين الذين أَلْهَبَهم إيمانهم في عهد لويس الرابعَ عشرَ؛
فقاوموا ثلاثة مريشالاتٍ وعِدَّةَ فيالقَ باسلةٍ مدةَ سنتين.
وأوجب مذهب التَّجَرُّد، ومذهبُ النِّعْمَة والاختصاص، ومذهبُ القلب المُقَدَّس ... إلخ،
حدوثَ نَوْبَاتٍ من ذلك الطِّراز، والممسوسة ماري أَلَاكوك هي التي أَسَّسَت مذهبَ القلب
المقدس، فقد رأت في المنام أن يسوع أعطاها قلبَه آخذًا قلبَها عِوَضًا منه، وتُقِيم الكنيسة
عيدًا، من فَوْرها، تخليدًا لهذا الحادث، وتَجْعَل، في سنة 1864، صاحبةَ الرؤيا في صَفِّ
الطُوبَاوِيِّين، وليس مما يُنْسَى قرارُ مجلس النواب المُتَّزِن، في سنة 1871، بإقامة كنيسةٍ
في مُونْمَارْتِر ليُعْبَد فيها القلبُ المقدس، وهذا الأثر العظيم الذي يهيمن على المدينة الكبرى
» باريسَ «يساعد الأجيال المقبلة على تَبَيُّن شأن ذوي الهَوَس في التاريخ.