فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 132

الفصل السادس

القوانين العلمية ونظريات الحوادث

تدلُّ القوانين العلمية على العلاقات الكَمِّيَّة الثابتة بين بعض الحوادث.

وكانت القوانين العلمية عند كثير من الناس مثالَ اليقين المُطْلَق، فَتُرِك هذا المبدأُ

عندما أصبحت المقاييسُ العلمية أدقَّ مما كانت عليه.

قال الأستاذ كُولْسُون: «إذا ما دَرَسْنا الحوادثَ الفيزياوية عن كَثَب أمكننا أن نَقْنَع

بعدم وجود أيِّ قانونٍ فيزياويٍّ حُقِّق تحقيقًا دقيقًا، ففي جميع الحالات، تقريبًا، نشاهد

انحرافاتٍ على شيء من الاتساع في تلك القوانين.»

ومن هذه الانحرافات نَعْلَم أننا لا نَعْرِف سوى بعض شروط الحادثات، ونحن، لكي

نستخرج قانونًا، نُضْطَرُّ، كما ذَكرتُ، إلى حَذْف العوامل الثانوية بسبب كثرتها وصعوبةِ

اكتشافها، وبعضُ حوادث الطبيعة إذ كان تابعًا لبعض ٍفإن بعضَها يُؤَثِّر في بعض، ولم

نَبْلُغ من اتساع الذكاء ما نُحِيط بها، فنُحْدِث، لذلك، من الانقطاع فيها ما لا نكترث معه

لغير أهمِّها، فهنالك يبدو القانونُ صحيحًا ضِمْنَ بعض الحدود تقريبًا ما دامت العوامل

المهملة ذاتَ تأثير ضعيف، وهذا التأثير إذا ما عَظُم أضاع القانونُ صِحَّته وأمكن تَلَاشِيه،

فخُذْ قانونَ مارْيُوت مثلًا تَجِدْه صحيحًا تقريبًا في أمر الغازات البعيدة كثيرًا من نقطة

انحلالها، وتَجِدْه غيرَ صحيحٍ كلما اقْتُرب من هذه النقطة الخَطِرة.

ويظهر القانون وثيقًا أحيانًا حينما لا يَكْشِف ما لدينا من آلاتٍ ناقصة عما فيه من

عدم الصحة، وهذا ما حَدَث في قوانين كِيپْلِر الفلكية لعَجْز كيپْلِر عن ملاحظة الاختلالات

التي يمتنع تَبَيُّنُها بوسائلِ تَرَصُّدِه عندما صاغ تلك القوانين.

فالقوانينُ العلمية هي، إذَنْ، ضَرْبٌ من الحقائق المتوسطة، والقوانينُ العلمية، وإن

كانت كافيةً عَمَليٍّا، ليست من الحقائق المطلقة.

ولا تستحقُّ القضايا الرياضية نفسُها أن تُوصَف بالمطلقة، وبَيَّن هنري پُوَانْكَارِه

ذلك جيدًا فلا أرى أن أسُهب فيه، وإنني، من غير أن أبحث معه في وُجُوه الهندسة الممكنة

في عوالمَ غيرِ عالَمنا، أجِدُ من الكفاية أن أذكر أن أسُس هندستنا الأقْليدِيَّة نفسَها خياليةٌ،

وتُحَدِّثُنا هذه الهندسة، بالحقيقة، عما يستحيل وجوده أو يستحيل تَصَوُّره من الأجرام

ذاتِ البُعْدِ الواحد أو البُعْدَيْن، مع أن الأجرام في عالَمنا لا تكون إلَّا ذاتَ ثلاثة أبعاد،

فالنقطةُ - مهما بلغت من الصِّغَر ومهما كانت دون آخر الجراثيم - فإنها ذاتُ ثلاثة

أَبْعاد، والخطُّ، مهما دَقَّ فإنه ذو ثِخَن وعَرْض وطول، أي ذو ثلاثة أبعاد على الدوام،

أَجَلْ، يمكن إهمالُ الأبعاد في الحساب، ولكننا لا نستطيع بذلك أن نَحْرِمَها الوجودَ،

ونحن إذا ما اتخذنا النقطةَ حدٍّا لكُرَةٍ، وإذا ما اتخذنا الخطَّ المستقيم حَدٍّا لأسْطُوَانَة ...

إلخ، فإن الأشكال لا تَفْقِد خواصَّها لهذا السبب وتحافظ على أبعادها الثلاثة من حيث

النتيجة.

إذَنْ، لا ينبغي أن يُبْحَث عن المطلق في الرياضيات كما لا ينبغي أن يُبْحث عنه

في العلوم الأخرى، والمطلقُ قد ظَلَّ مُهَاجِرًا طويل زمنٍ في عالَم الحقائق الاعتدالية، أي

في التأملات الهندسية، بَيْدَ أن هذا العالَم، كما يظهر، ليس له، في الغالب، أساسٌ سوى

الافتراضات غير المحققة من بعض الوجوه. 1

قال الرياضيُّ العَلَّامة إميل پيكار: «يَعْتَرِينا ذُعْرٌ حينما نَدْرُس أحدثَ الكتب عن

مبادئ الهندسة فَنُبْصِرُ جدولَ القضايا المُسَلَّم بها التي لا بدَّ من وضعها؛ ليكونَ لعلم

الهندسة ما يُعْزَى إليه من الوُثوق المنطقيِّ.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت