فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 132

الفصل الرابع

الأديان الكبرى التركيبية

كانت الدِّيانات القديمة، في بدء الأمر، من العبادات المحلية التي لا تَهْدِف إلى الانتشار

أبدًا، فكان للشعب آلهتُهُ كما كانت له لغتُه وقوانينه وعاداته وفنونه، وكان من التدنيس

للآلهة أن يَعْبُدها الأجانب، والفاتحُ وحدَه هو الذي كان يمكنه أن يَسْمَح بذلك.

وَحَّدَت الدولة الرومانية العالَمَ القديم تقريبًا وسَهَّلَت المواصلاتِ بذلك؛ فظهرت

دياناتٌ ذاتُ مناحٍ عامة، والنصرانيةُ والإسلام هما أشهر هذه الدِّيانات.

وسنقتصر على البحث في النصرانية، ويكفي هذا البحث لإثبات تكوين المعتقدات

الكبرى التركيبية وتطورِها، فتاريخ هذا البحث يُعَلِّمُنا كيف يظهر الدين ويتحول وينتشر،

وكيف يبتلع المعتقداتِ السابقةَ، ولماذا يُؤَثِّر في النفوس.

وتَطَوَّر النصرانية يساعدنا، أيضًا، على تسويغ تلك السُّنَّة المذكورةِ في فصل سابق،

والقائِلة بأن الدِّيانة التي يُعَلِّمُها علمُ اللَّاهوت تختلف عن الدِّيانة التي تزاولها الجموع

على الدوام، وذلك التطور يُوضِح تلك السُّنَّة الأساسيةَ القائلة: إن ظواهر النفسية الدينية

واحدةٌ لدى جميع الأمم مع ما بين معتقداتها من اختلاف بَيِّن، فالإنسانُ، سواء عليه

أَقَدَّسَ لإيزِس أم لمريمَ العذراء، يعبدُهما على السَّوَاء، والإنسانُ عَبَد، كذلك، آلهة الزُّون

الإغريقيِّ الرومانيِّ أو قِدِّيسي ملكوت السماء النصراني غير مُفَرِّقٍ بينهما كثيرًا، والإنسانُ

قد عَزَا فضائلَ متماثلةً إلى أوثانه، سواءٌ أكانت هذه الأوثان من ذخائر القِدِّيسين أم من

التعاويذ والتمائم.

وعلى ما تراه من معرفتنا بما فيه الكفاية لحياة كثير من مؤسسي الأديان - كحياة

محمد مثلًا - ترى حياة مؤسس النصرانية مجهولةً تقريبًا، ولا تَبْحَثْ عن حياة مؤسس

النصرانية في الأناجيل كما صُنِع ذلك زمنًا طويلًا، وكما عَدَل العلم عن اعتقاد إمكانها

في الوقت الحاضر، فهذه الأناجيل - وأقدمُها إنجيل مرقص الذي كُتِب بعد وفاة يسوعَ

بنصف قرن على الأقل - هي مجموعة من الأوهام والذِّكْرَيات غيرِ المُحَقَّقة التي بَسَطها

خيالُ مؤلفيها التَّقِيُّ.

ورسائلُ القِدِّيس بولس هي، كما يبدو، أقلُّ الوثائق عدمَ صحةٍ في تَمَثل أزمنة

النصرانية الأولى، ولكن بولسَ إذ لم يَعْرِف يسوعَ لم يَسْطِع أن يتكلم عنه إلا سَيْرًا مع

العَنْعنات والخيال.

وعلى ما تراه في تلك المصادر من نقص فإننا نَسْتَشِفُّ منها، على الأقل، ما كان

يدور في زمن يسوعَ من المبادئ، ونَعْلَم منها أن هذا الإله المُقْبِلَ لم يَعُدَّ نفسَه إلهًا قطُّ،

ولا مؤسسًا لدين جديد.

قال الأستاذ غِنِيبِر»: لو قيل للحواريين الاثني عشر إن لله تَجَسَّد في يسوعَ ما أدركوا

هذه الفضيحةَ الفظيعة، ولرفعوا أصواتهم مُحْتَجِّين ... فما كان المبدأ القائل بالبُنُوَّة

الإلهية لِيَبْدُوَ لليهوديِّ إلا تجديفًا شنيعًا «.

وإنما كان يسوع معتقدًا أنه نَبِيٌّ خَلَفٌ لمَنْ ظَهَر قبله من الأنبياء فتقوم دعواه

الوحيدة على القول باقتراب ملكوت الربِّ الذي حَدَّث اليهودُ عنه منذ زمن طويل، وما

كانت هذه البُشْرَى الطيبة لتَخُصَّ غيرَ بني إسرائيل مع ذلك.

ويُتَوَفىَّ يسوع، ويحاول تلاميذه نشر نبوءاته وأدبه فلم يُوَفَّقوا إلَّا لجمعِ قليل من

الأنصار في بدء الأمر، فما كانت ذكرى يسوعَ لتَبْقَى بعد موته طويلَ زمنٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت