فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 132

والواقعُ هو غير ذلك تمامًا كما هو معلوم، فقد أنقذ خيال المتهوس القِدِّيس بولس

اسمَ يسوعَ من النسيان وأحاطه بالمجد الخالد.

كان ما اتَّفَق للقِدِّيس بولس من التَّجَلِّي المعروف في طريق دِمَشْقَ نقطةَ التحول

الحقيقيةَ في النصرانية، وكان القديس بولس مفطورًا على فَرْط الخيال، وكانت نفسُه

مملوءةً بذِكْريات الفلسفة اليونانية والأديان الشرقية، فأسَّس باسم يسوعَ دينًا لا يفقهه

يسوع لو كان حيٍّا.

ولم يفكر القِدِّيس بولسُ في جعل يسوعَ إلهًا مع ذلك، والقديسُ بولس كان يَعُدُّ

يسوعَ رسولًا لِله مُفوَّضًا إليه أن يَدْعُوَ الناس إلى الإيمان بالحياة الأبدية، وأن يشتريَ

خطاياهم بموته.

ولا شيء يَدُلُّ على أن الناس عَدُّوا يسوعَ إلهًا في القرن الأول من النصرانية، ولم

ينتشر الإيمان بألوهيته إلَّا في أوائل القرن الثاني بين الجماعات النصرانية.

وبطءٌ كذلك مما يُثِير الدَّهَش لِما نَعْلَمه من السهولة التي كان الناس في ذلك الزمن

يُؤلِّهون بها أعاظم الرجال كالقياصرة مثلًا.

هناك أسبابٌ كثيرة أَدَّت إلى تأخر ذلك التأليه، ومنها: أن اليهود الذين اعتنقوا

النصرانية لم يريدوا أن يَعْدِلوا عن يَهْوَه الإلهِ الجَبَّار الغَيُور، واليهودُ بعد أن عَدُّوا

يسوعَ رسولًا لِله جعلوا منه ابنًا لِله في بدء الأمر، ثم وَحَّدُوه بالله، وقد حال الإيمان

الأعمى في القرون الأولى دون تَبَيُّنِهم الهُوَّةَ التي تَفْصِل بين يَهْوَه الجَبَّار ويسوعَ الحليم،

فالمتناقضات العقلية لا تبدو للمنطق الدينيِّ.

وكانت جهود القديسِ بولسَ تَهْدِف إلى تجريد النصرانية من عناصرها اليهودية

على قَدْر الاستطاعة، فتجعلُ من النصرانية دينًا عامٍّا، وهذا ما تَمَّ للنصرانية، ولكن ببطءٍ

كبير لم يَعْرِفه الإسلام مثلًا.

ولنبحث الآن في تبَنِّي النصرانية للمعتقدات السابقة، وتطورِها مع الأجيال، ثم

ندرس أسباب انتشارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت