فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 132

كان مبدأ الحقيقة ملازمًا لمبدأ الثَّبات، فكان يتألف من الحقائق كَيْنُونَاتٌ ثابتةٌ مستقلة

عن الزمان والناس.

وكيف كان يمكن الحقائقَ أن تَتَحَوَّل في عالَم لم يتغير قطُّ؟ كانت الأرض والسماء

والآلهة تُعَدُّ سَرْمَدِيَّةً، وذواتُ الحياة وحدَها هي التي كانت تعاني سُنَن الزمن.

وكان معتقد عدم تَحَوُّل الأشياء وما ينشأ عنه من اليقين سائدًا إلى أن حَكمَت عليه

مبتكرات العلوم بالأفول، فقد أثبت علم الهيئة أن الكواكب -التي كان يُفْتَرض استقرارُها

في الفلك - تَسْبَح في الفضاء بسرعة تَقْلِب الخيال، وأثْبَت علم الحياة أن الأنواع الحَيَّة

التي كانت تُعَد غيرَ مُتَبَدِّلَة تَتَحَوَّل ببطء، حتى إن الذَّرَّة نفسها خَسِرت أَبَدِيَّتَها بانقلابها

إلى مجموعة قُوًى متكاثفة إلى حين.

فإزاء مثل تلك النتائج تضعضع مبدأ الحقيقة بالتدريج حتى بدا لكثيرٍ من

المفكرين خاليًا من المعنى الحقيقي، فهنالك تداعت المعتقدات الدينية والفلسفية والخلقية،

والنظرياتُ العلمية أيضًا بالتتابع، غيرَ تاركة في مكانها سوى انصباب أمور زائلة

باستمرار.

ويظهر أن هذا يؤدِّي إلى نقض مبدأ الحقائق الثابتة نقضًا تامٍّا، وأعتقدُ، مع ذلك،

إمكانَ التوفيق بين مبدأ الحقيقة المطلقة ومبدأ الحقيقة العابرة، ويكفي إيرادُ بعض

الأمثلة البسيطة لتسويغ هذا العَرْض.

فمن المعلوم أن الفوتوغرافية تَعْرِض - بواسطة الصُّوَر التي لا يُحْتَمَل التقاطُها

-زمنًا يزيد على جزء من مائة جزء من الثانية الواحدة، انتقالَ أحد الأجسام السريع،

كالحصان الراكض مثلًا.

وتدلُّ الصورة التي تُلْتَقَط، هكذا، على وجه واحد من حركات الحقيقة المطلقة الزائلة

معًا، فهي مطلقةٌ طَرْفَةَ عَيْن، غيرُ صادقةٍ بعد هذه الطَّرْفَة، فيجب أن تُسْتَبْدل بها صورةٌ

أخرى ذاتُ قيمة مطلقة زائلةٌ معًا أيضًا، شَأْنُ الصُّوَر المتحركة.

ويمكن تطبيق تلك المقايسة على مختلف الحقائق مع تعديل مقياس الزمن فقط،

فالحقائقُ - وإن كانت متقلبةً - ذاتُ علاقةٍ بالواقع كعلاقة الصُّوَر الفوتوغرافية

الخاطفة، التي تكلمنا عنها، به أو كانعكاس الأمواج على المرآة، والصورةُ - وإن كانت

متحولةً - صادقةٌ على الدوام.

وقد لا تدوم الحقيقة المطلقة في التحولات السريعة مدةً تزيد على جزء واحد من مائة

جزء من الثانية الواحدة، وتكون وَحْدَة الزمن لبعض الحقائق الخُلُقية بضعةَ أجيال،

وتكون وَحْدَة الزمن للحقائق التي تَمَسُّ ثباتَ الأنواع ملايينَ السنين، وهكذا ترى أن

دوام الحقائق يترجح بين بضعة أجزاء من مائة جزء من الثانية الواحدة وَعِدَّةِ ألوف من

القرون، وهذا يَعْنِي أن الحقيقة الواحدة قد تكون مطلقةً عابرة معًا.

وتلك المقابلاتُ - وإن كانت صحيحةً في أمر الحقائق المحسوسة المستقلة عنا

-ليست بهذه الدرجة من الصحة في أمر اليقين الباطني كالمبادئ الدينية والسياسية

والخُلُقية على الخصوص، وتلك المقابلاتُ، إذ كانت لا تشتمل على غير نصيب ضئيل من

الصحة، تَجِدُها مُقَيَّدَةً برأينا في الأمور بحسب الزمن والعِرْق ودرجة الحضارة ... إلخ،

فمن الطبيعيِّ أن تختلف تلك المقابلات إذَنْ، فالحقيقةُ التي تلائم أفكار زمن واحتياجاته

لا تكفي لزمن آخر.

ولا رَيْبَ في أن مبدأ الحقيقة الثابتَ والمُوَقَّت معًا سَيَحِلُّ في فلسفة المستقبل محلَّ

حقائق الماضي الثابتة أو محلَّ سَلْبِيَّات الساعة الراهنة.

حقٍّا، إن من النادر أن يختار الإنسان يقينَه كما يشاء، والمحيطُ هو الذي يَفْرِض عليه

هذا اليقين، وهو يَتَّبِع تقلباتهِ، وفي هذا سرّ ُتَغَيُّر الآراء والمعتقدات لدى كل زُمْرة اجتماعية.

أَجَلْ، قد تتقلب البيئات التي تؤثر في مبادئنا ببطء، ولكنها تتغير في نهاية الأمر على

الدوام، ويشابه سَيْرُ العالم جريانَ النهر كما وُصِف في الفلسفة القديمة، ويجب - مع

ذلك - إكمالُ هذا الوصف بأن يقال: إن النهر يَجُرُّ ذَرَّاتٍ متشابهةً تقريبًا، على حين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت