فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 132

تُعَبِّر الحقيقة عن مركب من الحقائق المُعَقَّدة التي يتعذر فهمهما من غير تحليل، ونحن،

قبل أن نحاول ذلك نُقَسِّم الحقائقَ، فَنعُدُّ منها، موقتًا، طائفةً من المبادئ التي هي من

ضروب اليقين لدى مُعْظم الناس في كلِّ دور. 1

وموافقةُ الناس تلك تتناول أمورًا وَهْمِيَّةً في بعض الأحيان، فتكون من الحقائق لدى

المؤمنين، والبشر قبل أن يَعْرِفوا أيةَ حقيقة حازوا غيرَ قليل من أنواع اليقين.

ونَرْجع إلى ما عرضناه في مؤلف سابق من ضروب المنطق وما يلائمها من مبادئ

فنَجِدُ للحقائق خمسةَ أنواع: الحقائق البِيُولُوجِيَّة، والحقائق العاطفية، والحقائق الدينية،

والحقائق الجَمْعِيَّة، والحقائق العقلية.

وتَتَجَلَّى الحقائقُ البِيُولُوجِيَّة في حوادث الحياة العُضْوِيَّة، والحقائقُ العاطفية

والحقائق الدينية إذ كانت شخصيةً غيرَ قائمة على برهان فإنه لا دليلَ لها غير موافقة

الناس عليها، وهي تابعة لدائرة الإحساس وتكون أساسًا للمعتقدات، والحقائقُ العقلية

هي غيرُ شخصية على العكس من ذلك، فيمكن إثباتُها بالتجرِبة مستقلةً عن أيِّ معتقد،

وتَنِمُّ عليها مبادئُ العلم التي تتألف منها دائرة المعرفة.

ومن الواضح أن ذلك التقسيم كثيرُ الإطلاق ككلِّ تقسيم، فهو يَفْصِل، بالحقيقة،

أمورًا غيرَ منفصلة تمامًا، فمن النادر جدٍّا أن يكون المبدأ عاطفيٍّا أو دينيٍّا أو جَمْعِيٍّا أو

عقليٍّا على وجه الاستقلال، والحقائقُ الدينية نفسُها - وإن كانت من أصلٍ دينيٍّ -

تشتمل على عناصرَ عقليةٍ في الغالب، ومن هنا ترى أن أية حقيقة ليست حادثًا بسيطًا

يمكن أن يُعَبَّر عنه بصيغة موجزة، بل هي مُرَكبة من مجموعةِ عناصرَ متباينةٍ، وتختلف

الحقائق، على الخصوص، بنِسَبِ العناصر المختلفة التي تدخل في تركيبها.

قَسَّمْنا الحقائق من غير أن نُعَرِّفها، فلْنَبْحث الآن عن الحدود التي يمكن تعريفها

بها.

اختلف مبدأ الحقيقة اختلافًا عظيمًا في غُضُون القرون، فالحقيقةُ عُدَّت في بعضها

أمرًا جوهريٍّا، وَعُدَّت في بعضٍ آخر منها أمرًا نفعيٍّا، وعُدَّتْ في بعضٍ ثالث منها أمرًا ملائمًا،

وهي قد لاحت للمرتابين خطأ لا يُرَدُّ في وقت معين.

وتَنِمُّ المعاجم على ذلك الاختلاف بوضوح، ويمكن أن تُرَدَّ تعاريفُها، على العموم، إلى

قول لِيتْرِه» إن الحقيقة هي الصِّفَةُ التي تبدو الأمور بها كما هي 2 «. أو إن الحقيقة-

كما يقول مؤلفون كثيرون» - هي مطابقة الفكر للواقع «، فإيضاحاتٌ كهذه هي خالية

من أيِّ معنًى حقيقيٍّ كما هو واضح، وتكون المعاجم على شيء من الدقة والوضوح إذا

قالت إن الحقيقة هي ما يكون عندنا من فكرٍ عن الأشياء.

والتعاريفُ العلمية أكثرُ اعتدالًا، وهي أكثر إحْكامًا أيضًا، فترى العالِمَ يَطْرَح جانبًا

الحقائقَ التي يمتنع الوصول إليها، عادٍّا الحقيقةَ صِلَةً يُمْكِن قياسُها، على العموم، بين

حوادثَ تَظَلُّ مجهولةَ الجوهر، وقد وجب للوصول إلى هذه الصِّيغَة بَذْلُ عِدَّة تأملاتٍ

ومجهوداتٍ في عِدَّة قرون.

على أن هذه الصِّيغَة لا تُطَبَّق على غير المعارف العلمية، لا على المعتقدات الدينية

والسياسية والخُلُقية، فمصدرُ هذه المعتقدات إذ كان عاطفيٍّا أو دينيٍّا أو جَمْعِيٍّا فإن هذه

المعتقدات تقوم، فقط، على موافقة جميع من يَرْضَوْن بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت