أَجَلْ، إن الحاضر وليدُ الماضي، ولكنه وليدُ ماضٍ تَحَوَّل بأجيال وارثة له، وما عندنا
من يقين فيعاني أمر السُّنَن الأبدية التي تَحْمِل العوالمَ والموجوداتِ على التطور ببطء،
والتطورُ وإن أمكن تيسيرُه أو تعسيره فإن مجرى الأمور لا يمكن اقتحامه، والإنسانُ في
كلِّ وجه من وجوه تطوره يملك من الحقائق على قَدَره، وعلى ما يناسب ذلك الوجه.
ولا تكفي الرغبة في السَّيْر للتقدم، ويجب أن تُعلَم الوِجْهَة التي يُسار إليها قبل كلِّ
شيء، فالإنسان العامل هو بانٍ أو هادمٌ بحسب اتِّجاه جهوده، وشأنُ رجل الفكر هو في
هِدايته إلى الطريق التي يَسْلُكها.
ونحن - لكي ندرك كيف يكون العمل نافعًا أو ضارٍّا - نرى أن يُبْحث في العوامل
التي ينشأ عنها اليقين المُسَيِّر للناس وفي الوجه الذي ينحلُّ به هذا اليقين.
وسيكون ذلك البحث من أهمِّ أجزاء كتابنا، ونحن، إذ نختار أهمَّ الحقائق التي تُسَيِّر
الأمم، نحاولُ قَصَّ تاريخ هذه الحقائق.
وذلك التاريخ مُؤَثِّرٌ محزن بما يُثِير العَجَب، ولا شيء مثله يَدُلُّ على تقدُّم الروح
البشرية وبأسها وعَطَبها، والرجلُ العصريُّ يَجِد منذ مَهْدِه عَوْنَ حضارة قائمة وأخلاقَها
ونُظُمَها وفنونَها، وهذا التُّرَاثُ، الذي ليس عليه إلَّا أن يَتَمَتَّع به، قد أقيم بعد جُهْد عظيم،
واستئنافٍ للعمل أبديٍّ غيرِ قليل، فما أكثر المجهوداتِ التي أتُِيَ بها في قرون لا يُحْصِيها
عَدٌّ للخلاص من الحيوانية الأولى، والوصولِ إلى شَيْد المدن والمعابد وإقامة الحضارات،
والنفوذ في أسرار الكون.
والإنسانُ لم يَتَوانَ في إيضاح هذه الأسرار، والإنسانُ لم يوافق، قطُّ، على جهل عِلَل
الأشياء، والإنسانُ عَرَف بخياله أن يَجِدها على الدوام، فالروح البشرية، وإن سَهُل عليها
أن تستغنيَ عن الحقائق، فإنها لا تَقْدر على الحياة بلا يقين.