كانت أخلاق الأوائل فِطْرِيَّةً إلى الغاية كما قلنا، فكان الخير عند الشخص في قتل عدوِّه،
وكان الشرُّ عنده في أن يقتله عدوُّه.
وقَضَت الضرورات بالحياة المشتركة ففرضَت بعض القواعد الضرورية في سبيل
المصلحة العامة فتكاملت الأخلاق الاجتماعية رويدًا رويدًا، ووُفِّقَت القوانين المدنية والدينية
لتوطيد هذه الأخلاق بزواجرَ شديدةٍ أسفر عملها الرادع المُكَرَّر في عِدَّة قرون عن جعل
مراعاة القواعد الاجتماعية أمرًا غيرَ شعوريٍّ بالتدريج، ومن ثَمَّ أمرًا سهلًا بالتدريج.
ونشأ عن تقدم الإنسان الاجتماعيِّ، ولم تَقُمْ حضارة بغير هذا التقدم قَطُّ، قيامُ
أخلاقٍ لا شعوريةٍ مقبولة بلا عَنَاء مقام أخلاقٍ شعورية لا تُحْتَرم بعضَ الاحترام إلا
بعقوبات شديدة إلى الغاية.
وتطورٌ كهذا، صحيحٌ في الأخلاق الاجتماعية، صحيحٌ أيضًا في الأخلاق الفردية التي
تَتَكَوَّن بدخولها دائرةَ اللاشعور، وهذا اللاشعور إذ كان المهيمنَ الحقيقيَّ علينا كان
تكوينه بتربيةٍ ملائمة من الأهمية بمكان، فهنالك يَحِلُّ الأدب الباطنيُّ الذي يَتِمُّ بلا عناء
محلَّ الأدب الخارجي المفروض.
وأثبتت التَّجْرِبة منذ زمن طويل - وهي أَسْنَى من إيحاء بعض المناهج العقلية
العصرية - الوسيلةَ التي يَرْسَخ بها النظامُ غيرُ الشعوريِّ.
ومبدأ تكوين النظام اللاشعوري هو مبدأ اُلنظام المسيطر على التربية في جميع
الحِرَف والصِّناعات حيث يكون لغير الشعوريِّ شأنٌ عظيم، ولا يقوم ذلك المبدأ على
تعليم ما يجب أن يُعْمَل تعليمًا نظريٍّا، بل يقوم على ما يُعْمَل فعلًا، فيُكَرَّر هذا العمل إلى
أن يَتِمَّ أمره بلا عناء، أي آليٍّا غيرَ شعوريٍّ، فعلى هذا الوجه يكتسب العازفُ على الپِيَانُو
مزاولةَ صَنْعَته، ويكتسب الجنديُّ كيفيةَ استعمال أَسْلحته.
وينتقد الباحثون غيرُ الخبيرين، مختارين، دقائقَ تربيةِ الجنديِّ فيَرَوْنها، بعقلهم
القصيرِ، غيرَ مفيدة، فيسألون: ما نَفْعُ تلك الحركات المُفَصَّلة التي يُؤْتَى بها في الثُّكْنَة أو
في الحقل على ذلك النظام المُعَيَّن؟ وما نَفْعُ تلك الخُطَى الموزونة؟ وما نَفْعُ ضرورة صَفِّ
كلِّ شيء في الكتيبة على وجهٍ ثابت لا يتغير؟ ... الخ. إن نتيجة جميع هذه الحركات -
غيرِ المفيدة في الظاهر - هي إدخالُها إلى الرجل عاداتٍ في الدِّقَّة والضبط والِمنهاج وما
إلى ذلك من الأمور التي يؤدي تكرارُها إلى دخولها دائرةَ اللاشعور فيه فلا تُعَتِّمُ أن تَتَّفِق
له بلا عناءٍ بعد أن كانت تَتِمُّ له بعناء. 2
ويمكن تلخيص المبادئ السابقة بأن يقال: إن جميع الأخلاق الفردية أو الاجتماعية
تنطوي على عُسْر في بدء الأمر، تنطوي على قَسْرٍلا يُحْتَمَل إلا بعد أن يصبح غيرَ شعوريٍّ،
فمتى حَدَث هذا النظامُ غيرُ الشعوريِّ عاد الرجل لا يكون ألُْعُوبَةَ اندفاعاتِه وحُقَّ له
أن يقول إنه سَيِّد نفسه بالحقيقة، والفوضويُّ، وهو يعتقد حريتَه لطَرْحِه كلَّ رَدْعٍ
جانبًا ولانقياده لاندفاعاته فقط، عاطلٌ من أية حرية حقيقية فيَسِيرُ كورقة الشجر التي
تُحَرِّكها الريح.