الفصل الثاني
ما يعتور المعتقدات الدينية الفردية من التحولات حينما تصبح جَمْعِيَّةً
يَصْعُب فَهْمُ تاريخ الأديان على الدوام؛ لِما يبدو على وجهين مختلفين: العقائدِ، والعملِ
الشعبيِّ.
ونَعْلَم من الكتب فِكْرَ مُبْدِعي الدين وفكرَ أتباعه الأولين، لا ما وَقَرَ في نفوس الشعب
عنه، وتَجِد علماءَ اللاهوت مملوئين دقائق فتُبَسِّط الجموع هذه الدقائقَ وتُحَوِّلها.
ويَصْمُت الكُتَّاب حَوْلَ هذه التحولات على العموم، ويَقِفُون عند حَدِّ النصوص فقط،
مع ضَعْفِ قيمة هذه النصوص.
وليس من المستحيل دَرْسُ ما يَعْتَور إحدى الديانات من التحول حينما تَنْفُذ في
الجموع، حتى عند عدم الوثائق المُحْكَمَة؛ وذلك لما بين خطوط تلك التحولات من مُشَابَهة
في كلِّ مكان، فالتوحيدُ إذا زاوله الشعب، مثلًا، انقلب إلى إشراك على الدوام، وفي كلِّ بلد
تُعْبَدُ الآلهة على وجه واحد بشعائرَ متقاربةٍ جِدٍّا.
ولم يُحَقِّقْ، قطُّ، ما زَعَمَتْهُ الكتب المقدسة من إيجاد عقائدَ ثابتةٍ، وكلُّ ما يؤدي إليه
إثبات العقائدِ كتابةً هو إعاقتها للتحولات قليلًا.
وترى الجموع - مع عدم مبالاتها بالنصوص- تتهافت، في الغالب، على ما يتعذر
عليها فَهْمُه منها، فالنفوسُ، هنالك، تقوم وتَقْعُد بفعل ما يُلْقِيه أقوياءُ المتهوسين من
التلقين، لا بفعل تلك النصوص، فما كان الإصلاح الدينيُّ ليَتِمَّ ببراهينِ لوثِرَ وكل?ين
الهزيلةِ، بل بتأثير بعض الرُّسل المباشر.
وبنفوذ الزعماء وتأثير العدوى النفسية يُفَسَّرُ سبب وَلُوعِ الجموع، أحيانًا،
بالمجادلات اللَّاهوتية غيرِ المفهومة تمامًا أو العقيمةِ بداهةً، وماذا تَفْقَه النفوس التي
اندفعت حماسةً في سبيل الجانْسِينِيَّة في عهد لويسَ الرابعَ عشرَ مع أن علماء اللاهوت
لا يكادون يفقهون هذا المذهب؟ نَعْلَم أنه عَنَّ لمتهوس اسمه جانْسِنيُوس أن يُحْيِيَ
نظرية القضاء والقدر، وما كانت تُرَّهاتُه لتُؤَثِّرَ في غير أناس من ذوي الأعصاب المريضة
كان يغشاهم خوفُ جهنم، وكانوا يرتابون بالرحمة الربانية فيَعيشُون في شكٍّ وقنوط،
وأوشكت فرنسة آنئذ أن تُقْلَبَ رأسًا على عَقِب بفعل تلك الغباوة التي لا تزال ذاتَ أثر في
الوقت الحاضر فتَجِد من المؤرخين المُتَّزِنين من يُخَصِّصون لها مؤلفاتٍ مهمة.
وتَحَوُّل العقائد بانتقالها من روح علماء الكلام إلى روح الجموع هو نتيجةٌ للسُّنَّةِ
العامة التي تشاهَد في جميع الأديان بأوروبة وآسية، ولا سيما البرهميةَ والبُدَّهِيَّة
)البوذية (.
وإنني - قبل أن أبحث في تينك الدِّيانتين البعيدتين - أَذْكُر في بدءِ الأمر أنه يُشَاهَد
فيهما من مظاهر النفسية الدينية مثلُ ما في الأديان الأخرى، ومنها النصرانية، كتعدد
الآلهة والبِدَع والانفصال والانقسام إلى مذاهبَ والأديارِ والزُّهْدِ والشعائرِ الشديدة وحَجِّ
المَزَارات ... إلخ.
يتَألَّف من الوِيدَا كتب البرهمية المقدسة، ولكن البرهمية حين أضحت دِيانةً شعبية
تَحَوَّلَت فصِرْتَ لا ترى بينها وبين النصوص التي أَوْحَت بها أيَّ شبه.
وَتَدُلُّنا البرهمية الشعبية، في الحقيقة، على اختلاط وثيق بين أشدِّ المعتقدات اختلافًا،
وهي تَنِمُّ، نظريٍّا، على ثالوث كبير، تَنِمُّ على إله الحبِّ وِشْنُو وعلى إله الموت شِيوَا وعلى
الربِّ المطلق برهما.
وعلى هذا الثالوث الأساسيِّ في البَدَاءة، والثانويِّ بعدئذ، أَنْبَت الخيالُ الشعبيُّ ألوفَ
الآلهة المشابهة كثيرًا لآلهة العالَم القديم، فَغَدت قُوَى الطبيعة والحيواناتُ النافعة
والضَّارَّة وأشباح المَوْتَى ومياهُ الأنهار والريح والضياء آلهةً للشعب.