وإذا ما درسنا البرهميةَ في كتب علماء اللاهوت والأدباء بدلًا من البحث عن البرهمية
الشعبية بَدَت لنا مبادئُ دينيةٌ كثيرةُ الاختلاف، بَدَتْ لنا الآلهة الثانوية أمرًا مَنْسِيٍّا تقريبًا،
بَدَت لنا الموجودات المؤلفة من عناصرَ لا تَفْنَى تنحلُّ بعد الموت فتَرْجِع إلى صَدْر برهما،
وفي بعض تلك الكتب قولٌ بمبادئَ ارتيابيةٍ حَوْلَ خَلْق العالَم، جاء في الوِيدَا»: من أَين
هذا الكَوْن؟ أهو من صنع خالق أم لا؟ يَعْلَم ذلك من يَنْظُر من فوق الفلك، وقد لا يَعْلَم «.
فالحقُّ أنه لا يقام دين بمثل هذه المبادئ.
وتفريقٌ بين الإيمان الشعبيِّ وإيمان المتكلمين يظهر أبرزَ من ذلك في البُدَّهِيَّة، فهذه
الدِّيانة التي قامت على إنكار جميع الآلهة لم تُعَتِّم أن صارت أكثرَ الدِّيانات إشراكًا حينما
انتقلت إلى نفسية الجماهير.
وعَرَضْتُ في كتابي» حضاراتِ الهند «تاريخَ ذلك التحول، ففي ذلك السِّفْر يُرَى
كيف كَشَف لي رِيَادِي 1 الأثريُّ ما اعْتَوَر البُدَّهِيَّة من التطور، وسببَ غياب هذا الدين عن
البلد الذي ظهر فيه.
والمؤلفون إذ دَرَسوا البُدَّهِيَّة في الكتب اعتقدوا، بحقٍّ، أنها دينُ زَنْدَقَةٍ، وهم لم يبدأ
خطأهُم إلَّا حين افترضوا أن هذه الزندقة صارت شعبية.
وهنالك فرقٌ تامٌّ بين البُدَّهِيَّة النظرية والبُدَّهِيَّة التي يزاولها المؤمنون.
ويمكن تلخيص مبادئ المصلح الأعظم بُدَّهَة في بضعة أسطر، فأقتطفها من تِينَ
لكيلا يَرَى القارئ أنني أبُْدِي نظريةً شخصية تمامًا.
قال تِينُ»:رأى بُدَّهَة من الإلحاد أن يذهب إلى وجود كائنٍ عالٍ خالق للعالَم ...
ويتألف مذهب بُدَّهَة من أربع حقائق، فعنده أن كلَّ وجود هو أَلَمٌ لِما ينطوي عليه من
الهرم والمرض والحِرْمان والموت، والذي يجعل من الوجود أَلَمًا هو الرغبةُ التي تَتَجَدَّد
وتَتَنَكَّد بلا انقطاع، والتي نرتبط بها في الأمور والفُتُوَّة والصحة والحياة، فلكي نقضيَ
على الألم يجب أن نقضيَ على الرغبة إذَنْ، ولكي نقضيَ على الرغبة يجب أن ننكر أنفسنا،
وأن نتحرر من حبِّ الموجود، وأَلَّا ننجذب إلى أيِّ أمر أو إلى أيِّ موجود ... ويَصِلُ الحكيم
إلى مرتبة إنكار النفس وعدم الشعور بأن يَعُدَّ كلَّ شيءٍ فَانيًا؛ لأنه مُرَكَّب، وبأن الشيءَ،
لفَنَائِه، ليس سوى ظاهرة واهية متداعية، أي حادثةٍ في طريق الزوال كالزَّبَد الذي يظهر
على وجه الماء ثم يَذْهَبُ جُفَاءً، 2 أو كالخيال في المرآة، وإن شِئْتَ فَقُل: إن الحكيم يبلغ
ذلك باعتقاده الجازم أن الأشياء متلاشية «.
وهذا المذهب هو ما وَرَد في الكتب كما ذكرتُ، وهذا المذهبُ هو ما ظَلَّ خافيًا على
الشعب، ثم هَدَتْني دِراسة النقوش البارزة في الهند إلى مصير تلك الأفكار الفلسفية عند
نفوذها روحَ الشعب، فَمِنْ مُنْكِر الآلهة بُدَّهَة جَعَل الجمهُور إلهًا واحدًا في بدء الأمر،
ثم أحاط الجمهور هذا الإلهَ بكتيبة من الآلهة الأخرى مُغْرِقًا إياه فيها في بضعة قرون،
وبُدَّهَةُ، إذ صار بذلك غيرَ ممتازٍ من الآلهة الأخرى، غدا مَنْسِيٍّا فغابت البُدَّهِيَّة كدِيانةٍ
خاصة.
فذلك الانتقال من الزندقة الفلسفية إلى الإشراك الشعبيِّ يُلْقِي نورًا قويٍّا على جهاز
النفسية الدينية الخفيِّ.