أوجب قديمُ الآراء في الأخلاق إدخالَ مبدأ الفضيلة والرذيلة إليها، وبدا هذا المبدأ عُزيزًا
على كَنْتَ فزَعَم أنه يستنبط منه الأدلة على وجود الإله القادر على إثابة ذوي الفضيلة
ومعاقبة ذوي الرذيلة.
ومن شأن وِجْهَة النظر هذه، القريبةِ من وِجهة نظر علماء اللاهوت، أن تَجْعَل
مسألة الأخلاق أمرًا بسيطًا جدٍّا، فالإنسان إذ كان حُرٍّا في أعماله صَدَر ما يصنعه من
خير أو شرٍّ عن إرادته.
واليومَ لا يُدَافَع عن تلك المبادئ التي تَنِمُّ على السَّذَاجَة، فسنرى، حين البحث في
الأسُُس الحقيقية للأخلاق، أن الأخلاق لم تكن إلَّا بعد أن غَدَتْ لا شعورية، أي بعد
أن تحررت من كلِّ تأمل واستقلَّتْ عن مشاعر الخوف والرجاء التي أَصْلَتَتْهَا القوانين
الدينية والمدنية على الرءوس.
والأخلاقُ أصبحت لا إرادية فزالت مَزِيَّة إطاعتها بعد أن استقرت بدائرة اللاشعور
بفعل المُؤَثرَات الموروثة أو عواملِ التربية التي درسناها في مكان آخر.
والأخلاقُ الحَتْمِيَّة إذا لم تستقرَّ بدائرة اللاشعور استقرارًا تامٍّا فتَرَدَّدَ الفرد بين
الاندفاعات المتناقضة كان من الفضيلة أن يَضْبِطَ ميولَه الضَّارَّة، ولكن تَرَدُّدَه يثبت أن
أخلاقه لم تَصِل إلى درجة الثبات بعدُ.
وسألتُ الأشخاصَ الذين يجادلون في تلك البرهنة عن تفضيلهم خادمًا لا يُفَكِّر في
سَرِقَتِهم على خادم يقاوم في نفسه ميلًا إلى سَرِقَتِهم، فكان الجواب أن الخادمَ الأول عاطلٌ
من الفضيلة لِما ليس فيه من تلك المقاومة، وأن الخادم الآخر مملوءٌ فضيلةً لِمَا يَبْذُله
من مقاومة ذلك الميل، ويُخْشَى ألا يُوَفَّق هذا الخادمُ الآخر، مع ذلك، في مقاومته فيُرَجَّح
الخادم الأول عليه مع عَطَل الخادم الأول من الفضيلة.
ويمكن إكمال هذا المثال بمثالٍ أوضحَ منه، وإن كان من نوع آخر، فمن المعلوم أن
راكب الدَّرَّاجَةِ يَصِلُ بتمريناتٍ مُكَرَّرَة إلى الاستواء عليها من غير عَناء، فإذا ما انتحلنا
لغةَ علماء الأخلاق الذين يُرْدِفُون الفضيلةَ بالجُهْد قلنا إن راكب الدَّرَّاجة حين يحافظ
على موازنته فوقَها بكبيرِ مجهودٍ هو أفضل منه حين ينتهي إلى درجة الاستقرار عليها
بلا مجهود، مع أنه يُعَدُّ عالِمًا بركوبها في هذا الدور الثاني معتمدًا على ما اتَّفَق له من
خُلق ثابت في ذلك.
إذَنْ، يجب أن نَتَعَوَّد الفَصْلَ بين مبدأ الأخلاق ومبدأ الفضيلة، فالقاعدةُ الخُلُقية،
كما قُلْتُ، لا تَثْبُت في النفس إلا حين تزول فضيلة ملاحظتها، والواقع هو أننا نستطيع
أن نقول إن الإنسان الذي يَعْقِل أخلاقَه يكونُ غير مكتسِبٍ للأخلاق بعد.
وهذه النظريةُ - وإن كانت تَبْدُو غريبةً على ما يحتمل وكان صوابُها أمرًا لا مِرَاء
فيه - رَأَيْتُ أن أجِدَ من المؤلفين مَن يَدْعَمُونها فوجدتُ واحدًا منهم فقط، وجدتُ ويِلْيَم
جِيمْس الذي تشابه آراؤُه آرائي بعضَ الشَّبَه في هذه المسألة، فقد قال: «من الوهم المحزن
أن نُدير جميع أخلاقنا الإنسانية حول مسألة الفضيلة.»
والملاحظات الآنفة الذِّكر فائدةٌ عملية لا جِدَال فيها، فبِها نَعْرِف أين يجب أن
نبحث عن العوامل الحقيقية في تربية الأخلاق غيرِ المُدْرَكَة كثيرًا في الوقت الحاضر، وتلك
الملاحظاتُ تَكْشِف لنا، أيضًا، عن تعليم النظريين الجُدُدِ الشديد الخَطر، وتعليمُ هؤلاء
يكون أعظمَ خطرًا في المستقبل مما في الوقت الحاضر ما دامت الأخلاقُ أمرًا وِرَاثِيٍّا على
الخصوص فضلًا عن أنها تُكْتَسَب من الحياة الحاضرة، فالحاضرُ يُحْدِث من أخلاق
الساعة الراهنة ما هو أقلُّ من أخلاق المستقبل بدرجات، ونحن نَعِيش بأخلاق آبائنا،
وسيعيش أبناؤُنا بأخلاقنا.