فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 132

واليوم أصبح من المتعذر أن تَسْتَنِدَ الأخلاق إلى النظرية القائلة بإلهٍ منتقم خالق

لموجودات ناقصة يَتَلَهَّى بتحريقها في عالَم الأبدية مع أنه قادر على خَلْقِها كاملةً، ومما

لا ريب فيه أن هذه المسألة من أكثر المسائل إيذاءً لِأخَْيِلَةِ الدماغ البشريِّ.

وأصاب إمِيل فَاغِيه في تعبيره عن الآراء الحاضرة حَوْلَ تلك المسألة في الأسطر الآتية،

قال فَاغِيه:

إذا كان الربُّ موجودًا وإذا كان واحدًا كان قادرًا على كلِّ شيء، والشرُّ إذا كان

موجودًا في هذه الدنيا وجب ألَّا يقال إن الربَّ أباحه، لِما ليس لهذه الكلمة من

معنًى مع وجود قادر على كلّ ِشيء، بَلْ يجب أن يقال إنه أراده، والحقُّ أن ربٍّا

يريد الشرّ َلا يَفْهمه العقلُ أو يكون ممقوتًا، فالأفضلُ ألا يكون موجودًا إذَنْ ...

ومن المُؤَكد أنه لا يُخْرَج من ذلك إلا بذرائعَ معقولةٍ قليلًا، فالقولُ إن

الربَّ أراد الشرَّ كامتحانٍ يمكن أن يُدْعَم إذا ما تَعَلَّق بالناس، ولكن الحيواناتِ

تَأْلَم أيضًا، فلا يُرَى أيُّ امتحانٍ تعانيه فيكونُ صالحًا أو شافيًا أو نافعًا أو

معقولًا، والقولُ إن الشرَّ هو جزاء الخطيئة الأولى لا يؤدي إلا إلى تأخير المسألة

من غير أن يُحَوِّلها، أيْ إلى تركها كاملة كما هي، فإذا كان الإنسان قد اقترف

الإثمَ الأول فلأن الربَّ أَذِن في ذلك، أي أراد ذلك، وكيف يكون الربُّ القادر

على كلِّ شيْء عادلًا طيبًا وهو يريد أن يُذْنِب الإنسان لِيُجَازِيَه؟ أَلَا إن الربَّ

هو صانع الشرِّ في الأرض، هو صانع الشرِّ الخُلُقِّي والجُثْمَانِيِّ.

والاعتقادُ بربٍّ مُجَازٍ ومكافئ مما دعا إليه علم الأخلاق على ما يحتمل،

بَيْدَ أن هذا الاعتقاد مما يُقَوِّض دعائمَ الأخلاق، وهذا ما يجب أن يُنْظَر إليه،

أَجَلْ، إن اعتقادَ الثواب والعقاب بعد الموت يَهْدِم الأخلاق؛ وذلك لأنكم إذا

ما اعتقدتم هذا الثوابَ وهذا العقابَ لم تَصْنَعُوا الخير للخير، بل تصنعونه

طَمَعًا في الحُلْوَان وخوفًا من السَّوْط، فلا تكونون ذوي أخلاق إذَنْ، ومن قول بعضهم:

«إن أسوأ سوء في الأخلاق هو الاعتقاد بقيام الأخلاق على المنفعة.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت