فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 132

ظَلَّت عبادة الأموات جزءًا من الأديان على ما يظهر، فتَجِدها في جميع العصور لدى

مُعْظم جميع الأمم المُتَرَجِّحة بين قدماء اليونان والمعاصرين من اليابان.

وعبادةُ الأموات، إذ كانت غالبةً في بلاد الإغريق وإيطالية، ثَقُلَت وطأتها على العالم

القديم، فكانت العقوبات شديدةً عند عدم مراعاتها بدِقَّة.

قال فُوسْتِل دُو كُولَنْج»: كان لدى الإغريق والرومان آراءٌ متماثلة، فإذا ما انقطعوا

عن تقديم المآدب المَأْتَمِيَّة خَرَج الأموات من أجداثهم أشباحًا نُوَّاحًا في الليل الصامت

لائمين الأحياء على إهمالهم الإلحاديِّ باحثين عن مجازاتهم مرسلين إليهم المرض أو

الجدب مُكَدِّرِين صَفْوَهم حتى يعودوا فيقيموا المآدبَ المَأْتَمِيَّة «.

وكانت خَشْيَة الأموات أمرًا عامٍّا، فلما رأت كِلِيتْمِنْستر في منامها أن أرواح أغا ممنون

غاضبةٌ عليها أرسلت أطعمة إلىضريحه من فَوْرها.

وفي مبدأٍ وُجِدَ لدى جميع العُرُوق، تقريبًا، دلالةٌ على أن كلَّ موجود أو كلَّ شيء

منظور ينطوي على ضرب من الروح الخفية، وفي هذا سرُّ ما كان من كفاية شَبَح الهِبات

لإرضاء شبح الأموات، وفي هذا سرُّ ما كان من ذَبْحِ كثير من الأمم في مآتم العظماء كثيرًا

من الأفراس والخَدَم لمصاحبتهم في الحياة الآخرة، فعلى هذا الوجه يَصِلُ شَبَح الفقيد إلى

مملكة الأموات محروسًا حَرْسًا لائقًا، وفي الپيرُو كان يُهْلَك على قبر الملك المُتَوَفىَّ عَذَارَى

معبد الشمس لتكون أشباحُهن حاشيةً له.

والآلهة التي تتألف من أشباح المَوْتَى لدى الإغريق والرومان كانت تُوصَف بالآلهة

البَيْتِيَّة، فكان الرومان يقولون»: إنها آلهةٌ مرهوبة مَوْكُولٌ إليها أمر مجازاة الناس

والسهرِ على كلِّ ما يحدث في داخل المنازل «، وكان كلُّ بيت يشتمل على هيكل تجتمع فيه

الأسُرَة فتُصَلِّي للأجداد، وتقدم إليهم بعض الهدايا الزهيدة.

وعبادةُ الأموات تلك تكفي لإيضاح تأليه القياصرة الذي أدهش مؤرخين كثيرين،

وذلك فَضْلًا عن الأسباب المذكورة في فصل آخر، فإذا كان أحد أفراد الناس يَغْدو من

الآلهة بعد موته فإن من الطبيعيِّ أن يصير القيصر من آلهةٍ أكثرَ أهميةً من تلك، وأن

يعبده الشعب فضلًا عن أفراد أسُرَته.

وداوم كثير من الأمم على عبادة الأموات حتى أيامنا، ومن عبادة الأموات يَتَأَلَّف

الدِّين الرئيسُ في الصين واليابان، ومما سمعته من رجل من أكابر رجال اليابان -

وهو الآن سفيرٌ لدى إحدى دول أوروبة العظمى - أنه إذا ما عاد إلى بلاده لم يَتَوَانَ

في التردد إلى الهيكل الخاص بأجداده، ومما قلته غيرَ مرة أن إرادة الأموات تسيطر على

إرادة الأحياء، فالإنسان يَشْعُر، عَمَلًا، بالصلة الوثيقة التي يرتبط بها في الأجيال السابقة

فلم يكن، بالحقيقة، غيرَ مُوَاصِل لها.

ويجب ألَّا يُعَدَّ من الخيال وحدَه، إذَنْ، زَعْمُ أمير البحر الشهير، توغو، حين صَرَّح،

بعد أن نال أعظم انتصار بحري في الوقت الحاضر، أن ذلك النص رتَمَّ له بفضل أجداده،

لا بفضل نفسه، أَجَلْ، يعود فضل قسم كبير من ذلك الانتصار إلى أمير البحر ذلك، ولكن

أليس الأجداد المُوجِدُون لروح اليابان القومية هم الغالبين الحقيقيين؟ ألَا إننا مدينون

للأموات بفضائلنا، ونحن إذا ما وُجِدَ لنا بعض القيمة كان ذلك بفضلهم على الخصوص.

ودين الأموات لم يَتَوَارَ قطُّ، وإن ضاق نطاقه لدى كثير من الأمم، وهو يقتصرعند

النصارى على تمجيد القديسين، ولدى النصارى عيدٌ سنويٌّ لزيارة قبور الموتى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت