فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 132

تساءل الفلاسفة عن إمكان إقامة أخلاق على أسُُس عقلية، وذلك عندما لاح أنه لا يمكن

الدفاع عن الافتراض القائل بوجود ربٍّ حاكم يكافئُ المُحْسِنَ ويُجازِي المُسِيء، والعقلُ

قد أَدَّى إلى إقامة صَرْح المعارف الرائع، فصار من المأمول أن يُشَاد به صَرْحٌ للأخلاق

بسهولة، فهذا وَهْمٌ من آخر أوهام الفلسفة.

ومصدرُ الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يَجِد في العقل جميعَ عوامل السَّيْر هو

الخطأ النفسيُّ الذي بحثنا فيه غيرَ مرة، والقائلُ بأن من الواجب أن يكون المنطقُ العقليُّ

وحدَه دليلَ المجتمعات والأفراد.

وظلَّ كثيرٌ من الفلاسفة والمُرَبِّين والسياسيين المعاصرين قانعين بأن العقل وحدَه

هو مصدر الأخلاق، ويَسِير هؤلاء مع الأستاذ بُوتْرُو فَيُعَرِّفون الأخلاقَ، مختارين، بأنها

» مجموعة القواعد العقلية لسلوك الإنسان. «

وتتَجَلَّى درجة شيوع الوَهْم في أن الأخلاق ذاتُ مصدرٍ عقليٍّ من تَصَفُّح صَفَحات

التحقيق التي قامت بها مجلة الرِّيفو لدى أشهر الفلاسفة والعلماء والكُتَّاب، مثلِ لُرْوَا

بُولْيُو وأَنَاتُول فرَانْس وأوُلَار ودُرْكيم وشارل رِيشِه وفُوِّيه وبُوتْرُو وسيَاي وشار جِيد ...

إلخ، فقد أجمع هؤلاء، تقريبًا، على القول بوجوب استناد الأخلاق إلى العقل.

وعلى ما وقع من الاعتماد على هذا الخطأ لم يكن هذا الخطأ عامٍّا، فقد بَيَّن هَنْرِي

پُوَانْكارِه الشهيرُ في صَفَحَاتٍ ممتازة عدمَ إمكان وجودِ أخلاقٍ علمية، وأن العِلم يظلُّ

عاجزًا عن تعيين قواعد سلوك الإنسان.

وسنرى في تضاعيف هذا الكتاب أنه لا مكان للعقل في العوامل المؤثرة في تكوين

الأخلاق الحقيقية، أي الأخلاق المُزَاوَلة، فالدعائمُ الحقيقية الوحيدة للأخلاق هي العناصر

العاطفية المستقلة عن العقل، فنحن - وإن أمكننا أن نتكلم عن العِلم العقليِّ - لا نقدر

على الكلام عن الأخلاق العقلية.

إذَنْ، من العبث أن نبحث هنا في مختلف مناهج الأخلاق العقلية، فليس لهذه المناهج

أيُّ تأثير أبدًا، وهي لا تَنِمُّ على غير تأمُّلَاتٍ وهمية، 3 وما نال نجاحًا منها، ذات يوم، أكثرَ

من غيره فقد أصبح مَنْسِيٍّا في الزمن الحاليِّ.

وجميعُ تلك المناهج الخاصة بما بعد الطبيعة مما لا يدافَعُ عنه إلَّا إذا اكْتَشَف

مبتدعوها ما تصير به مقبولةً قواعدُ الأخلاق التي يَزْعُمون وَضْعَهم لها، ولا قيمةَ لتعداد

القوانين النظرية في مثل هذا الموضوع، وإنما الصعوبةُ كلُّ الصعوبة في فَرْضها، وكان

النجاح يُكْتَب لكَنْتَ بفضل عَوْنِ ربٍّ مرهوب، والارتباكُ يكون عند عدم ذلك العَوْن، وما

كان لأخلاقٍ حَتْمِيَّة خالصةِ العقل أن تكون شافيةً حَتْمًا.

وإذا ما سُلِكَت سبيل اللَّغْو فأرُيد وَضْع منهاج في الأخلاق أمكنَ قيام هذا المنهاج

على الهَوَى أو محبةِ الغَيْر أو الضرورة أو على عناصرَ أخرى، لا على المنطق العقليِّ قَطُّ،

والشخصُ الذي ينقاد للبراهين القائمة على التأمل والعقل فقط سائرًا وراءَ خيالِ كثيرٍ

من الفلاسفة لا ينال أَيَّ ثباتٍ خُلقِيٍّ، ولا تُعَتِّم أخلاقٌ كهذه أن تتلاشى عند أول نَفْخَة

نَفْعِيَّة، وعند الأشخاص الذين يَزْعُمون اتَخاذَ العقل دليلًا لهم يجب أن تُعْزَى «الأعمال

الصغيرة إلى الخوف، والأعمالُ المتوسطة إلى العادة، والأعمالُ العظيمة إلى الزَّهْو» كما

قال نِيتْشِه.

ومن الواضح أن شأن العقل في الأخلاق ليس صِفْرًا، بل ضعيفٌ إلى الغاية، وهذا إلى

أن المنطق العقلي يَنْفَع، أحيانًا، في معارضة شعورٍ بشعور، وفي وَزْن العِلَل وفي اجتناب

الأعمال الخَطِرَة، ولكن العقل، وإن كان ينتفع بِقُوَانا الخَفِيَّة، لا يمكنه أن يَحِلَّ محلَّ

السَّجِيَّة والمُؤَثِّرَاتِ اللاشعورية التي تُسَيِّرنا.

ولْنَبْحَث الآن في الأسُس الحقيقية التي تقوم عليها الأخلاق، والتي تختلف عن الأسُس

المذكورة في هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت