هنا نَخْتِم بياننا الموجَزَ عن تطور النصرانية الفلسفيِّ، ونحن حين تكلمنا عن مصادر
النصرانية وَجَدْنا من غير المفيد أن نبحث، كغيرنا، في ظهور مُؤَسِّسها حقٍّا، فسواء أظهر
يسوع أم لم يظهر لم نَجِد أيَّ شَبَه بين النبيِّ الجليليِّ الخاشعِ هذا وبين الربِّ الأسُْطُورِيِّ
الذي عَبَدَه الناس منذ ألفي سنة.
إن يسوعَ المعبودَ الذي يَضْرَع إليه المؤمنون هو من صُنْع الجموع، فقد تَطَلَّب
تأليفُ شخصه وتعاليمه من أنقاض الآلهة والمعتقدات السابقة مرورَ عِدَّة قرون، وما
إله كنائسنا إلا من الآلهة التركيبية، كَمِنِيرْ?ا وهِرْكُولَ و?ينُوس، التي تَقَمَّصَت فضائلَ
الشعوب واحتياجاتِها وآمالَها، وما جميعُ هذه الآلهة غيرَ تَجَسُّداتٍ للمبادئ التي هي
وليدة مشاعرنا، وما عبادة أحد الآلهة في الغالب سوى عبادةِ الإنسان لأخَْيِلَتِه، ومن ثَمَّ
لنفسه.
وجميعُ آلهة البشر ظهرت من دوائر اللاشعور في روح الجموع حيث لا يَنْفُذ العقل،
والآلهة تسيطر على ذهن الناس وتُوَجِّه الحضاراتِ العظيمةَ لذلك، ولا سلطان للمنطق
العقليِّ على هذه المعبودات التي لا تَفْنَى، أَجَلْ، يُشِير المنطق العقليُّ علينا بِهدم معابد
تلك الآلهة في بعض الأحيان، ولكن من غير أن يَلُوح لهذا المنطق وجودُ منطقٍ أعلى منه
يُكْرِهُنا على إعادة بنائها ذات يوم على ما يحتمل.