فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 132

تكلمنا عن الضرورات الناشئة عن البِيئَة الاجتماعية والمُحْدِثَة لبعض القواعد الخُلُقية

التي لا غُنْيَة لحياة المجتمع عنها.

ولكن المجتمع ليس بِيئَةً متجانسة، فهو يتألف - في الأزمنة الحديثة على الخصوص

-من زُمَرٍ مختلفة ذاتِ مصالحَ خاصَّةٍ تَنْجُم عنها أخلاقٌ مستقلة، مباينةٌ للمصلحة

العامة في بعض الأحيان.

والمبادئُ الخُلقية الضرورية لحفظ مختلف الزُّمَر الاجتماعية، الحربيةِ والكهنوتية

والقضائية والمالية والتجارية والصِّناعية ... إلخ، هي من القوة بحيث تَفرِض على الفرد

في بعض الأحيان تَنَزُّلًا تامٍّا عن شخصيته، والزمرةُ كلما كانت مُغْلَقَةً محدودة بَدَتْ غيرَ

متسامحة تِجاه مخالفات أعضائها الخُلقية.

ويظهر إحداثُ وجوهٍ خاصَّة للأخلاق بوضوح عند النظر إلى الأفراد ضعيفي الأخلاق

عادةً والذين يَبْدون مُتَشَدِّدين في شئون زُمْرَتهم، ومن ذلك أن بعض سماسرة المَصْفَق

(البورصة) ، المتحللين في الحياة العادية، يُوفُون بعهودهم الشَّفَوِيَّة التي يمكن الجِدال

فيها عند تصفية حساباتهم ما دام الأمر الذي يُصْدِرونه إلى الصَّرَّاف بصوت عالٍ هو كلَّ

ما يَبْقَى منها، ومع ذلك فإن تنفيذ مثل تلك العهود يُكَلِّفهم مبالغَ كبيرةً في بعض الأحيان.

ومن ذلك الأمرِ البارز نُبْصِر شأنَ الضرورة في تكوين الأخلاق، فمن المتعذر أن

تُصَاغ العهود كتابةً في المَصْفَق لضيق الوقت، والشخصُ الذي يجادل في عهوده يجعل

كلَّ عمل في المَصْفَق أمرًا مستحيلًا فلا يُعَتِّم أن يُطْرَد من زُمْرَته، فالفقرُ أحبُّ إليه من

ذلك.

وأخلاقُ الزُّمَر - لأنها وليدةُ ضروراتٍ مهيمنة - تكون، في بعض الأحيان، ذاتَ

قدرةٍ وثبات أعلى من قواعد السلوك التي يَفْرِضها القانون، إن كانت القوانين لا تتدخل

في حَمْل الناس على رعاية أخلاق الزُّمَر تلك، وعلى ما في واجبات الزُّمَر من شِدَّةٍ على

العموم تَجِدُها محترمةً إلى الغاية، فمن مختلف الأمثلة نعلم مقدارَ خضوع أبعد العمال

عن النظام لأوامر نقاباتهم الجائرة خضوعًا ممزوجًا بالخوف، ولو أَدَّت هذه الأوامر إلى

حِرْمانهم كلَّ أجُرة.

ومما رأيناه أن قوة الأمة تقوم على مَزْج المصلحة العامة بالمصلحة الخاصة، أي على

مَزْج المثل الأعلى الجَمْعِيِّ بالمثل الأعلى الفرديِّ، وتَتَجَلَّى قوة المعتقد الدينيِّ أو السياسيِّ أو

الخُلُقيِّ في حمل الفرد على خَلْط ذينك المثلين الأعليين، أي في مباهاة الفرد بنجاح مجتمعه

كمباهاته بنجاحه الشخصيِّ، فما كان للجنديِّ الرومانيِّ أو لجنديِّ ناپليونَ أن ينتظر

غيرَ المتاعب والجُرُوح والموت، وتراه، مع ذلك، ينتحل مَجْدَ رومة، أو مجدَ الإمبراطور كما

لو كان خاصٍّا به، فهو لم يُضَحِّ بنفسه من أجْل غيره، بل من أَجْل نفسه في الحقيقة.

والمثلُ الأعلى الجَمْعِيُّ عندما يزول لا يَنْظُر الفرد إلى غير مصلحته الذاتية وفائدته

الشخصية فلا يَشْعُر بأيِّ حافز إلى التضحية بنفسه من أَجْل مصلحةٍ خارجةٍ عن

مصلحته، هذه هي حال الرومان حينما كانت جيوشُهم مؤلفةً من مُرْتَزِقَةِ البرابرة.

ومن الطبيعيِّ أن ينشأَ عن اتِّجاه النفس هذا عدمُ اكتراثٍ للخير العام، واليومَ يُعَبَّر

عن عدم الاكتراث هذا بالسِّلم أو باللاعسكرية، أي بالمشاعر التي تَبْدُو، على الدوام، حينما

لا يُجَاوِز مَثَلُ الفرد الأعلى مصلحتَه الشخصية أو مصلحةَ الزمرة الصغيرة التي ينتسب

إليها.

وفي هذه الحال الأخيرة تشاهَد ظاهرةٌ جالبة للنظر، فيُرَى أن الفرد لا يُضَحِّي

بنفسه في سبيل الزُّمْرَة، بل ينال منها، في مقابل بعض الروادع الخفيفة، فوائدَ شخصيةً

لا يظفر بها وحدَه أبدًا، شأنُ المُتَدَيِّن الذي يَنْزَوي في الدَّيْر ليُعدَّ فيه نجاتَه، فما يقضيه

فيه من حياة التقشف هو من أجل مصلحته الخاصة، لا من أجْل مصلحة المجتمع، ومِثْلُ

هذا أمرُ الزُّمَر النقابية الحديثة التي لا يطالِب أعضاؤها بغير فوائدَ شخصيةٍ غيرَ مبالين

بمصالح المجتمع العامة إلا قليلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت