إذَنْ، يجب أن نَعُدَّ نوعين للزُّمَر مختلفيْن عند الكلام عن أخلاق الزُّمر، فأما النوعُ
الأول: فهو مؤلفٌ من الزُّمَر المخلصة للمصلحة العامة لاخْتِلَاط هذه المصلحة العامة
بمصالحها الخاصة، وأما النوع الثاني: فهو مؤلفٌ من الزُّمَر التي يَعُدُّها الفرد وسيلةً
لِنَيْل امتيازات شخصية.
وذلك التفريق هو من الأهمية بمكان؛ وذلك لأن من نتائج توزيع العمل بالتدريج
زيادةَ الزُّمَر الاجتماعية التي يَحُوز كلُّ واحدة منها مصالحَ خاصةً مناقضةً للمصلحة
العامة في الغالب، ولا نزال غافلين عن الوجه الذي يمكن الحضاراتِ أن تَبْقَى به بين
مزاعمَ متباينةٍ كتلك المزاعم، فالمجتمع وإن كان قادرًا، على الدوام، تِجاه الشخص وهو
منفرد، ضعيفٌ جدٍّا تِجاه الزُّمَر، ومما رُئي أن الحكوماتِ أذعنت لنقابات مُوَظَّفي
البريد والخطوط الحديدية والمعلمين، ومن الواضح أننا لا نزال في المرحلة الأولى من تلك
الإذعانات التي لا تُعَتِّم أن يَمْتَدَّ مَدَاها، لتَأَلُّب زُمَرِ جميع الطبقات، ذاتَ حين، على أساطين
السلطة والثروة كي تنتزع ما عندهم بقوانينَ يَسُنُّها مُحْتَرِفو السياسة الذين يعيشون
بفضل الأصوات الانتخابية.
ومن المحتمل أن يَنْفَصِل الفرد في المجتمعات القادمة عن مصالح بلده العامة
انفصالًا تامٍّا مكترثًا لمصالح زُمْرَته فقط، فهنالك يتعذر وجود دستور خُلُقيٍّ عامٍّ، فلا
يكون في مثل تلك الحالة سوى قوانينَ صغيرةٍ كثيرة ملائمة لاحتياجات كلِّ زُمْرَة.
وفيما تقدم بَينَّا الضرورةَ التي هي من أعظم العوامل في الأخلاق الاجتماعية، ولكنه
يضاف إلى هذا العامل عواملُ كثيرةٌ أخرى لها تأثيرها مع أنها دونه أهميةً.
وفي المجتمعات الحيوانية تظلُّ الأخلاقُ وليدةَ الضرورات وحدَها على حين ترى
لدى الإنسان بعضَ المُؤَثِّرات التي هي بِنْت خياله وبنتُ اشتراكٍ خاطئ بين حوادثَ لا
صلة بينها، فهذه المُؤَثِّرات تَقُوده إلى عادات لا تُسَوِّغها أية ضرورة، ومن ذلك أنه لا
فائدةَ اجتماعية، مثلًا، فيما حدث في قرون كثيرة من تحريق أناس افْتُرِضَت محالفتُهم
للشيطان، ومن ذبح أولادٍ على مذابح مُولَك، فالإنسان لم يَعِشْ، قطُّ، بلا أوهام مُؤثِّرة في
سلوكه تأثيرًا بالغًا، ومن ثَمَّ تُبْصِر أن الأخلاق لا تَصْدُر عن مقتضيات الاجتماع وحدَها،
بل تَصْدر عن أوهامنا أيضًا.