فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 132

الفصل الخامس

بناء المعرفة العلمي

إننا، بنفوذنا دائرةَ المعرفة العلمية للحوادث، نَدْخُل عالَمًا جديدًا تامَّ الجِدَّة، ففيه ترى

تَغَيُّر مناهج الدرس وتَغَيُّر التفسيرات والنتائج، وفيه ترى أن الإنسان - وقد خرج من

نفسه في آخر الأمر - اكتسب سلطانًا عظيمًا على الطبيعة التي استعبدته استعبادًا وثيقًا

في قرون طويلة.

وما دَرَسْناه آنفًا من يقينٍ دينيٍّ وفلسفيٍّ وخلقيٍّ فقد كان شخصيٍّا، فذلك اليقينُ إذ

كان لاصقًا بنا لم يَسْتَنِد إلى غير العناصر العاطفية والدينية، وذلك اليقين إذ كان تابعًا

لآراء زمنٍ ما خَضَع لتقلبات هذه الآراء.

ومناهجُ العِلم قد اسْتَبْدَلَت بتلك الحقائقِ الشخصية حقائقَ غيرَ شخصيةٍ يمكن

إثبات كلِّ واحدة منها على حِدَة فتكون في مَعْزِلٍ من الجَدَل، وأدَّى البحث العلميُّ إلى

انتقال الروح البشرية من الباطنيِّ إلى الخارجيِّ.

وتفسيرُ الفلاسفة للحوادث كان، كالتفسير العلميِّ، خاصٍّا بدائرة العقل، ولكن

عقل الفلاسفة إذ كان يتناول وِجْهَاتِ النفس المستنبَطة من ملاحظاتٍ بعيدة من مراقبة

التجرِبة ظَلَّت مبادئهم باطنيةً، والعِلمُ وحدَه هو الذي أدخل الإنسان إلى دائرة خارجيةٍ

كان يَجْهَل علمُ اللَّاهوت والفلسفةُ وجودَها.

ولم تُرْسَم خطوط معرفة العالم الحقيقية إلَّا باكتساب مناهجَ وثيقةٍ للتَّرَصُّد

والتجرِبة، وتُرَدُّ أوائل هذا التطور إلى عصر النهضة.

ونَجَم عن الدِّراسات العلمية الأولى طَعْنُ التفاسير اللاهوتية في الصميم، وذلك

بإثباتها أن العالم خاضعٌ لسُنَنٍ ثابتة لا دخل فيها لَهَوى العزائم العلوَّية.

وأسفر توسيعُ مَدَى ذلك المبدأ بالتدريج عن بلوغ العلم مبادئَ جديدة، والإنسانُ،

إذ عَدَل عن مطالبة آلهته بتفاسيرَ لم تُعْطِه إياها، وَلَّى وَجْهَه شَطْرَ العِلم الذي غدا لدى

الكثيرين معبودًا يُؤْمَل منه كلُّ شيء.

ومع ذلك لا ينبغي أن يطالَب العِلْمُ بغير ما يستطيع أن يُعْطِيَه، فللعِلم وجهان

مُحَيِّران في الحقيقة، فهو قادر على حلِّ مسائلَ هائلةٍ، وهو عاجزٌ تِجاه مسائلَ كثيرةِ

البساطة في الظاهر، والعِلْم - وإن اكْتَشَف البخارَ والكهرباء وأخضع قُوَى الطبيعة

لاحتياجاتنا - لم يَسْطِعْ أن يقول لنا السببَ في أن حَبَّة البَلُّوط تصبحُ سِنْدِيَانَة، وفي أن

الحجر الذي يُرْمى في الهواء يَسْقُط، وفي أن قضيب الشمع الذي يُدْلَك يجتذب الأجسامَ

الخفيفة، فالحقلُ العلميُّ حافلٌ بالمسائل التي تَظَلُّ بلا جواب.

ويزول ذلك التناقض بين مُنْتَهى القدرة ومنتهى العجزِ عند إدراكنا مناهجَ العِلم

وغايَته وحدودَه، وإن شئت فَقُلْ جهازَ بناء المعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت