فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 132

بَيَّنَّا التغييراتِ التي تَعْتَوِر الأديان عند انتشارها بين مختلف طبقات المجتمع الواحد،

وتكون تلك التحولاتُ أعمقَ من ذلك عند انتحال شعوب مختلفةٍ لدين واحد.

ويَقِف علماء الكلام عند حَرْفِيَّة العقائد، فلا يطالبون المؤمنين بغير ممارسة

الشعائر، فيعتقدون ثبات مذاهبهم مهما كان الشعب الذي يعتنقها، مع أن الدِّيانة إذا

ما قالت بها شعوبٌ مختلفة تَغَيَّرَت تَغَيُّرًا كُلِّيٍّا.

فإذا نظرتَ إلى البُدَّهِيَّة في الهند وإليها في اليابان والصين لم تَجِد بينهما أيَّ شَبَه،

وقد بَلَغا من الاختلاف ما بَدَت معه البُدَّهِيَّة في هذين البلدين الأخيرين دينًا جديدًا للعلماء

الباحثين الذين درسوها للمرة الأولى.

واتفق للإسلام مثلُ تلك التحولات عند انتقاله من بلاد العرب إلى بلاد الهند، فالإسلامُ

في الهند غدا كثيرَ الإشراك مع أنه أكثر الأديان توحيدًا، والإسلامُ لدى الدرَاوِيد في الدَّكَن

لا يختلف عن البرهمية إلَّا بعبادة محمد، وقُلْ مثلَ هذا عن الإسلام في الجزائر حيث تراه

عند العرب غيرَه عند البربر.

وتُطَبَّق سُنَّة تَحَوُّل المعتقدات، بانتقالها من شعب إلى آخر، على جميع عناصر

الحضارة، فقد أثبتُّ منذ زمنٍ في كتابي أن أيَّةَ أمةٍ لا تنتحل فنونَ» سُنَنِ تطور الأمم «

أمةٍ أخرى ونُظُمَها ولغتها من غير أن تُحَوِّلها تحويلًا كبيرًا.

فمن الوَهْمِ، إذَنْ، أن يُعْتَقَد - مع بعض المؤرخين - أن الأمم تُغَيِّر آلهتَها كما تشاء،

وليس انتحالُ أمم بأجمعها دينًا جديدًا إلا أمرًا خياليٍّا، وإذا لاح أن أمُمًا كثيرة اعتنقت

النصرانية أو الإسلامَ أو البُدَّهِيَّةَ، مثلًا، وإذا ما رَضِيَت أممٌ كثيرة، نظريٍّا، بنصوص

الكُتُب المُقَدَّسَة من غير أن تَفْقَهَ كلمةً منها، فإن هذه الأممَ لم تنتحل من هذه المعتقدات،

بالحقيقة، سوى بعض الصِّيَغ وبعض الشعائر، ولم تُمْسِك من الإيمان الجديد بغير

العناصر الملائمة لاحتياجاتها ومشاعرها، وكيف يكون الأمرُ غيرَ ذلك مع ذلك؟

ومن الجهل العميق لجهاز المعتقد أن يُفْتَرض أن أمةً بأَسْرها قادرةٌ على اعتناق

عقيدةِ دِيانةٍ جديدة من فَوْرها، فإذا ما ظهر أنها فَعَلت ذلك كان ذلك إجابةً إلى أوامر

رؤساءَ مرهوبين، ولكن مثل هذه التَّلْبِيَة لا تَعْدُو حَدَّ الكلام، وفي الكتب وحدَها تُبْصِر

أن هنري الثامن فَرَض الپروتستانية على إنكلترة، وأن ابنَته ماري تِيُودُر أعادت إليها

الكَثْلَكة، وأن ابنته الأخرى إليزَابِت حَمَلَت رعاياها على العَوْدَة إلى الپروتستانية.

ونُلَخِّص هذا الفصل فنقول: إن ثبات الأديان أمرٌ ظاهريٌ، وإنه يمكن العقائدَ

المُدَوَّنَة أن تَظَلَّ ثابتةً، وإنَّ الشعائرَ - وإنْ دامت طويلَ زمنٍ - فإن المبادئ الدينية

تَتْبَع نفسية من يعتنقونها في الحقيقة، وإن هذه المبادئ تكتسب وصفًا مشتركًا عندما

تَنْفُذ في روح الشعب، وإن الآلهةَ ذاتُ قُوًى متشابهةٍ فيُصار إلى استمالتها بوسائلَ

مماثلة، فالآلهةُ تَبُثُّ في كلِّ مكان آمالًا واحدةً ومخاوفَ واحدةً وأحلامًا واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت